فهرس الكتاب

الصفحة 11640 من 23694

والحق أن القرطاجني لا يتنبه إلى أن الصورة هنا لا تخرج إلى حيز الاستحالة، فهي من الممتنع الذي يتصور وإن لم يقع. ومما يؤكد ذلك"لو"وهي حرف امتناع أي امتناع لامتناع أي امتناع حصول الجواب لامتناع حدوث الشرط، فضلًا على أن القرطاجني نفسه يبين أن الممتنع لا يستلذ ولا يستساغ إلا على جهة من المجاز (65) . وليست صورة الطرماح إلا ناشئة في حيز المجاز فهي استعارة مكنية إذ ذكر المشبه فقط (برغوث) وحذف المشبه به (فارس) وأشير إليه بذكر لازم من لوازمه. وعلى كل فإن صناعة الشعر عند القرطاجني وإن كان لها أن تستعمل الكذب، فليس ينبغي لها أن تتعدى الممكن من ذلك أو الممتنع إلى المستحيل، لأن المستحيل من شأنه أن يحول دون انفعال المتلقي بالشعر واستجابته له. وكأن"الممكن"هو البشري، في حين أن"المستحيل"هو كـ (المعجز) لا يمكن إلا أن يكون إلهيًا. وعظمة الإله عند المسلمين تتجلى في حكمته المخصوصة وفي كون أفعاله لا تخضع لمعايير العقل الإنساني. أما الشعر عند القرطاجني وغير القرطاجني فصناعة مضبوطة أي ملكة حاصلة بالدرجة والتمرن، فإذا نأى بها الشاعر إلى"الإحالة"لم يربك قواعدها وضوابطها فحسب، وإنما أربك أيضًا وظيفتها والمعايير التي حرص البلاغيون على أن تقاس بها وتعرض عليها أسوة بالعلوم والصناعات الأخرى. وقد نماري في أن القرطاجني يجري على سنن من تقدموه وأن معجمه الشارح للتخيل يدور على الإيهام والادعاء والخداع والمخاتلة الأمر الذي يجعله يحد من وظيفة الخيال الشعري أو يحصره في الفطنة ومخادعة النفس (66) ، فإذا الكتابة الشعرية مهارة وقدرة على المحاكاة، وليست مغامرة لغوية أو حفرًا فيما لم يحفر فيه بلغة المعاصرين منا. ولكن ألا نكون بذلك قد انتزعنا نظريته من سياقها، وبيننا وبين الرجل حجب من الزمان كثيفة؟.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت