فهرس الكتاب

الصفحة 11639 من 23694

إن السؤال الذي ينشأ في هذا السياق هو: إذا كانت اللذة تنجم عن تحسين القبيح ما حسنت هيئة الكلام ومحاكاته"لأن قبح الهيئة يحول بين الكلام وتمكنه من القلب، وقبح المحاكاة يغطي على كثير من حسن المحاكى أو قبحه ويشغل عن تخيل ذلك" (59) . فما الذي ينجم عن تقبيح الحسن؟ إن في الإجابة على هذا السؤال ما يكشف لنا تلك الوشيجة بين الممتع والمفيد، فالقرطاجني يساوي، في الظاهر، بين تحسين القبيح وتقبيح الحسن، لأن الأقاويل في كليهما قد تكون صادقة، فالحسن لا يخلو من وصف مستقبح والقبيح لا يخلو من وصف مستحسن، إلا أنه يستدرك فينبه إلى أن"الصدق"في الثاني أقل منه في الأول (60) . وهو في هذا منسجم ونظريته في المحاكاة، فالنفس تستلذ الأشياء الحسنة في ذواتها، ولكنها تتألم لها ما نالها التقبيح بواسطة الخيال، لأن هذا التقبيح لا يشوه الأصل فحسب وإنما يتعارض وطبيعة المحاكاة، بل هو يخلو منها. وكأن الشاعر هنا يخترع أو ينشئ من غير أصل إلا احتذاء. وهذه صفة موقوفة عند المسلمين على الذات الإلهية وحدها (61) . ولذا نجد القرطاجني يعد الحقائق التي لها أصل في الأعيان مما يهيئ النفس لقبول الشعر أو طلبه والالتذاذ به، لأن مدارها على الممكن"وكلما توفرت دواعي الإمكان كان الوصف أوقع في النفس وأدخل في حيز الصحة" (62) . أما تلك التي ليس لها أصل في الأعيان، فهي من المستحيل الذي لا يمكن وقوعه ولا تصوره"والوصف بالمستحيل أفحش ما يمكن أن يقع فيه جاهل أو غالط في هذه الصناعة" (63) ومن ثم فإن تقبيح الحسن لا يمكن إلا أن يكون قبيحًا ما أدى إلى الإحالة. ولا يستساغ الوصف بما يؤدي إلى الإحالة عنده إلا إذا كان الغرض الهجاء أي التهكم بالشيء أو الزراية عليه والإضحاك به. ومثاله قول الطرماح:

ولو أن برغوثًا على ظهر قطةٍ يكر على صفي تميم لولتِ (64)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت