وقد نلمس في كلامه عن الاستعداد شيئًا غير يسير من الاشتكال مرده ما أثبته قبل من انفعال النفس بالمحاكاة ولها، بسبب من الجبلة أو الطبع والسجية، إلا أنه اشتكال يحل ما تنبهنا إلى أن القرطاجني إنما يباشر المحاكاة التي"تبلغ الغاية القصوى من هز النفوس وتحريكها" (52) وتجعل"المسوغات تجري من السمع مجرى المتلونات من العين" (53) . وهذه لا تجري في كل شعر. ومن ثم فلابد أن تكون مواثيق التلقي محكمة، فالشعر لا يفعل فعله إلا إذا رفده طبع المتلقي من جهة، ووافق استعدادًا لديه، من أخرى، فعندها يحدث الطرب والأريحية. وكأنه لابد من دوافع ونوايا، فالالتذاذ بالمحاكاة لا يتحقق إلا"بأن يكون قد سبق للنفس إحساس بالشيء المخيل وتقدم لها عهد به" (54) كما ينقل حازم عن ابن سينا. وهذا في الحقيقة مذهب غالب عند بلاغيي العرب ونقادهم، فالشعر قرين المؤانسة. وأنس النفوس كما يقول عبد القاهر موقوف على اتباع المركوز في الطباع واستذكار المألوف وبعث المعهود من الذكريات (55) . ولكن اللافت عند القرطاجني أنه لا يعاني اللذة من حيث هي انفعال بالصور الحسنة فحسب، فأنس النفس أو التذاذها يمكن أن يتحقق أيضًا بالصور القبيحة ما صورت في عمل فني متقن"ومن التذاذ النفوس بالتخيل أن الصور القبيحة المستبشعة قد تكون صورها المنقوشة والمخطوطة والمنحوتة لذيذة إذا بلغت الغاية القصوى من الشبه بما هي أمثلة له، فيكون موقعها من النفوس مستلذًا لا لأنها حسنة في أنفسها بل لأنها حسنة المحاكاة لما حوكي بها عند مقايستها به" (56) . وهو يعزز رأيه بما أثبته ابن سينا، بحيث ترد اللذة إلى الحذق في التخيل وبراعة المحاكاة، فالنفس تنط عن الحيوانات الكريهة مثلًا وتتألم لرؤية الأشياء المستقبحة في أنفسها، ولكنها تستلذ رؤيتها عندما ينقلها الخيال إلى مستوى الفن.