فهرس الكتاب

الصفحة 11636 من 23694

وبالرغم أن في المنهاج جنفًا عن إيراد النصوص فإن الشاهد الشعري يندس في أعطاف الكلام وثناياه ويلابسه، فالتذكر والاشتياق وعرفان المعاهد التي يجدها القرطاجني مؤلمة من جهة ملذة من أخرى لأن"الأحوال وإذا كانت مؤلمة للنفوس فإن لكثير من النفوس في تخيل ما يتذكر ويشتاق إليه ويحن إلى عهده لذة ما وتشفيًّا، يكاد ينقع الغلة من حيث أذكاها ويسر النفس من حيث أشجاها وأبكاها" (49) . عناصر لا تخلو منها أي مقدمة غزلية. والحق أنه لا يردّ المؤلم الملذّ أو فلنقل"المطرب"بما أن الطرب لغة هو الاهتزاز والاضطراب فرحًا أو حزنًا، إلى ما جرى عليه شعر العرب فحسب، وإنما يرده أيضًا إلى جبلة في الإنسان، فالنفوس قد جبلت على التنبه لأنحاء المحاكاة واستعمالها والالتذاذ بها منذ الصبا... حتى إنها ربما تركت التصديق للتخيل، فأطاعت تخيلها وألغت تصديقاتها. وجملة الأمر أنها تنفعل للمحاكاة انفعالًا من غير روية، سواء كان الأمر الذي وقعت المحاكاة فيه على ما خيلته لها المحاكاة حقيقة، أو كان ذلك لا حقيقة له فيبسطها التخييل للأمر أو يقبضها عنه" (50) . ولكن المحاكاة عنده لا تفعل فعلها لمجرد أن التخيل جبلة في الإنسان، فلابد من شرطين: أولهما يرجع إلى المحاكاة نفسها ودرجة الإبداع فيها"وما تدعم به وتعضد مما يزيد به المعنى تمويهًا والكلام حسن ديباجة من أمور ترجع إلى لفظ أو معنى أو نظم أو أسلوب" (51) . وثانيهما إلى استعداد النفس لقبول المحاكاة والتأثر لها. والاستعداد عنده نوعان: نفسي ومعرفي. وهما سابقان كلاهما على القول. فالنفسي أن يوافق الشعر حالًا أو هوى عند المتلقي، فشبيه الشيء منجذب إليه. والمعرفي أن يكون للمتلقي اعتقاد في الشعر من حيث قدرته على أن يفعل في النفس فعل السحر."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت