فهرس الكتاب

الصفحة 11633 من 23694

ومن ثم فنحن لا نعد الجمع بين التخيل والتوهم عند القرطاجني خلطًا ناجمًا عن خطأ في نقل فلاسفة المسلمين كلام أرسطو، بقدر ما نعده مزاوجة لها أصل في اللغة العربية نفسها. ومما يؤكد ذلك أن النقلة من السريان ترددوا في مفهوم"الفنطاسيا"بين معنى التوهم ومعنى التخيل، وأن الكندي جعل التوهم رديف"الفنطاسيا"و"الفنطاسيا"رديف التخيل (45) . فإذا كان ثمة لبس فمرده إلى اللغة التي تشرب الوهم معنى الخيال فلا تميز بين الأول من حيث هو حال تتجرد فيه الذاكرة من علائق المكان والزمان لتقارب بين الصور تجاوزًا وتماسًا، والثاني الذي يأخذ لبوس الهيئة المستقرة في انطباعات الحس والمترسبة في الذاكرة. ووظيفته أن يبتعث الجدة في الأشياء فيلغي هويتها ويلزمها بضرب من الاتحاد، فيصهرها في جوهر جديد، ينشد إلى تلكم الأشياء بذات الفعل الذي ينفك عن سلطانها. وقد لا يساورنا الشك في أن القرطاجني وهو المأخوذ بحسن التأتي لمحنة اللفظ. يدرك، أن يجعل الشعر يوسع من خيال المتلقي، ويحمله على التصور، أن مادة الصاد والعين الجوفاء والراء مشحون بحركة الفعل الذي يعرو الأشياء فيجسدها في غير هيئتها الأصلية، وأن فعل"صيَّر"يعني تجميع الشتات ولملمته في كيان مرصوص مستجد، وأن"صوَّرَ"يحيل على الصورة شكلًا وأمرًا وصفة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت