وهذا ما يجعلنا نشد ثانية على أن كيفية التعبير والغرض المتوخى هما اللذان يحددان المقصدية والوظيفة، وليس العكس، وأن وظيفة فن القول عند القرطاجني وإن مازجتها عناصر وأمشاج من المنطق والفلسفة، تظل مشدودة إلى جذر بلاغي أصيل تعهده السابقون عليه، فهو يعاين النص الشعري من حيث هو حلقة وصل بين المنشئ والمتلقي، وينبه إلى أن"أنس النفوس"هو مضمار الشعر وغايته، ويثبت ما أثبته عبد القاهر قبله من أن المزية في فن القول ليست قاصرة على الألفاظ أو موقوفة على المعاني، فثمة عنصر ثالث بين الألفاظ والمعاني هو"الصورة" (42) . وفي اتحاد هذه العناصر على هيئة مخصوصة ما يسلم إلى التصوير والتخييل وإثارة الانفعال والدهشة أو إلى المتعة الخالصة أو الإفادة المباشرة أو إليهما معًا. وأيًا كانت الوظيفة فإن القرطاجني لا يشذ عن قدماء البلاغيين والنقاد فهو يقرن مثلهم ما بين اللغة والصورة أو يمزج هذه بتلك. واللغة عنده لا تنقل وإنما تؤسس بل نكاد نقول إنها لا تسمي الأشياء ولا تشير إليها، على قدر ما تبني الوجود وتنشئ الأشياء. إنها تتفتح بنفسها في فضائها، وكأن هذا الفضاء هو الذي يستولد المعنى ويضفي عليه الصورة، ولعل اللغة نفسها أن تسعفنا، فلفظة الصورة اسم مصدر من فعل رباعي يفيد التأثير في شيء ومطاوعة الشيء له أي حصول الأثر عند تعلق الفعل المتعدي بمفعوله نحو:"وقد صورته فتصور". أي جعلت له صورة وهيئة. ثم إن عين اللفظة وردت واوًا وياءً والمعنى واحدًا.