فهرس الكتاب

الصفحة 11445 من 23694

ولا يخفى ما في كلام المرزوقي من تناقض في الحكم وتعارض في الرأي على ما فيه من رغبة واضحة في إنصاف أبي تمام ووصفه بالاعتدال والموضوعية، وعندي أن أبا تمام في اختياره لم يغادر في قليل ولا كثير مذهبه الذي ارتضاه لنفسه وطريقته التي استنها لشعره، فإنه وإن كان من غير المعقول أن يجد في شعر السابقين له ممن عاشوا في عصر غير عصره واغتذوا بثقافة غير ثقافته ما يتفق ومذهبه كل الاتفاق من حيث الإكثار من المجاز، والاعتماد في الشعر على العقل ومقاييسه المنطقية، وعلى البديع وما يفيد في تلوين المعنى وتشقيقه لم يأل جهدًا في البحث عن الشعر الذي ينصرف إلى المضمون دون الشكل، وإلى ما فيه معنى جديد في تصوير المواقف الإنسانية المتأزمة والحالات النفسية المتصادمة، والعدول عن الشعر الذي تصفو ألفاظه وتروق عباراته ويطرب إيقاعه، وفي ذلك ما فيه من الالتزام برؤيته الخاصة للشعر وموقفه من أصوله مما يثبت أحد شقي كلام المرزوقي حين قال:"واختطف منها الأرواح دون الأشباح واخترف الأثمار دون الأكمام"وهل كان قصد أبي تمام في شعره، إلا إلى أرواح المعاني وأثمارها دون أشباح الأساليب وأكمامها، وهو الذي يصف شعره بقوله:

ولكنه صوب العقول إذا انجلت

فهذا باب الحماسة يغص بالمواقف التي يصل فيها الشاعر إلى حد من الهياج النفسي والانفعال المحتدم مما لا يقل براعة وتأثيرًا عن أقوى المشاهد المأساوية التي يعرضها شكسبير في مسرحياته، فمن ذلك مثلًا ما قاله توبة بن مضرس السعدي إذ قتل رهط خاله أخويه طارقًا ومرداسًا، فجزع عليهما جزعًا شديدًا، وقال فيهما مراثي جيدة، وظل يبكيهما حتى طلب إليه الأحنف بن قيس أن يكف، فلما أبى لقبه بالخنّوت وهو الذي يمنعه الغيظ أو البكاء عن الكلام، ثم بدا له أن يقتل خاله ثأرًا لأخويه، ولو أدى ذلك إلى تفطر قلب أمه رميلة حزنًا على أخيها، ففعل وقال (21) : ... دمًا من أخيها في المهند باقيا

بكت جزعًا أمي رُميلة أن رأت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت