5-آن لنا بعد لك كله أن نتساءل: ما المعيار الفني الذي اهتدى إليه أبو تمام في اختياره هذه المقطعات، فالوحشيات كتاب، والكتاب سواء أكان جمعًا أم تأليفًا يقوم على خطة بينة ومنهج سديد ورؤية تحدد معالمه وتوحد أصوله، وقبل الإجابة عن هذا السؤال يحسن بنا أن نتحرى الفروق بين القصائد والمقطعات، إذ أن الوحشيات ومثلها الحماسة غلبت عليها المقطعات القصيرة التي تصل في بعض الأحيان إلى بيت واحد مفرد، فالقصائد غالبًا ما تكون طويلة تصور تجربة شمولية ذات استشراف واسع يمتد فيها النفس وتكثر التفصيلات، وربما تشتمل على عدد من الأغراض والموضوعات، ولهذا تقتضي العناية الفنية وجودة البناء وحسن المدخل وبراعة التخلص والانتقال، أما المقطعات فهي معاناة مباغتة تصور حالة انفعالية في موقف انفعالي عابر، وإن كانت في الغالب حادة قاسية، ولهذا تقتضي التركيز والتكثيف وتتطلب التعبير القائم على الإشارة والإيجاز.
ولقد كان المرزوقي قد تعرض لهذا المعيار وجعل له حيزًا في مقدمة شرحه للحماسة فرأى (20) "أن أبا تمام كان يختار ما يختار لجودته لا غير، ويقول ما يقوله من الشعر بشهوته، والفرق بين ما يشتهى وما يستجاد ظاهر".
ففي هذا القول ما يدل على أن المرزوقي يرى أن مذهب أبي تمام في اختياره يختلف عن مذهبه في شعره، ثم نفاجأ بعد سطرين من هذا الكلام بقوله:"وهذا الرجل لم يعمد من الشعراء إلى المشتهرين منهم دون الإغفال، ولا من الشعر إلى المتردد على الأفواه، المجيب لكل داع، فكان أقرب، بل اعتسف في دواوين الشعراء جاهليهم ومخضرمهم، وإسلاميهم ومولدهم، واختطف منها الأرواح دون الأشباح، واخترف الأثمار دون الأكمام، وجمع ما يوافق نظمه ويخالفه لأن ضروب الاختيار لم تخف عليه، وطرق الإحسان والاستحسان لم تستتر عنه".