4-أن أبا تمام ساق هذه المقطعات عارية عن ذكر المناسبة التي قيلت فيها، وبتعبير آخر: أسقط عنها الثوب التاريخي الذي تتلفع به، ثم جاراه في ذلك سائر أصحاب الحماسات والمختارات، ولقد نعلم أن الشعر العربي القديم إبداع وثيق الصلة بمجريات الحياة اليومية شديد الارتباط بالفعل الواقعي وبالتجارب الخاصة، وأن ذكر المناسبة يضع القصيدة في إطارها الزماني والمكاني ويسهل على المتلقي فهمها وتذوقها، فبعض اللوحات الشعرية قد تتغلق فيها سبل التواصل بين الشاعر والقارئ ويعتاص الولوج إليها ما لم تقدم بإشارة إلى الواقعة الحية التي حفزت الشاعر إلى صياغتها وإيداع أفكاره وعواطفه فيها، وما أظن هذه الظاهرة التي تتبدى في الوحشيات وفي الحماسة أيضًا من قبيل الإهمال أو السهو، فربما تبين للمتأمل أن شاعرنا الفذ كان قد قصد إلى ذلك قصدًا حين أدرك بذكائه المرهف وحسه الشعري النفاذ أن الإبداع الشعري أمر يختلف كل الاختلاف عن عملية تسجيل الوقائع والأحداث، فالشاعر يسعى إلى تسجيل ماهو محتمل وممكن لا ما هو آني واقعي، وبما أن الشعر يلهم ولا يعلم نراه ينزع إلى الإثارة وتنمية الحس الجمالي بالحياة، فكأن أبا تمام حين جعل هذه المقطعات تنسل من خيام عصرها وتتفلت من ذاكرة زمنها أرادها أن تنطلق في زمن أرحب وعصر أوسع لتحل في ذاكرة المستقبل خالدة متجددة، ثم ليقف القارئ أمام الأبيات، وليستوح منها ما يشاء وفق طبيعته وبنيته النفسية واستعداده الفني، وليخرج منها بتصورات وانطباعات ربما تختلف أو تتفق وتصورات الشاعر وانطباعاته في زمن القصيدة الخاص، وبذلك يصبح الشعر نفسه باعثًا محرضًا يهيمن على القارئ ويحرك وجدانه وروحه ويضعه في بؤرة الإبداع والإلهام.