ثم لعل هذا الشاعر الخارجي كان يرى من الحماسة التي تتضمن تلك المعاني السالفة أن يمكث إلى جوار بناته الضعيفات يرعاهن ويفيض عليهن من مشاعر الأبوة ما يكف عنهن الأذى ويحفظ عليهن كرامتهن، وأن حرمه ذلك من متعة الجهاد ومشاركة الفرسان في مصاولة الأقران، فهذا كهذا حماسة ونجدة وحمية.
ولقد كان المرزوقي قد أشار إلى هذه الظاهرة أيضًا في شرحه ديوان الحماسة إذ وقف عند مقطوعتين تصوران عقوق الأبناء والديهم ما يتوهم أنهما ليستا من باب الحماسة في شيء فيقول (17) :"فإن قيل: بماذا دخل هذه الأبيات وما يتلوها وهو في معناها في باب الحماسة؟ قلت: دخلت فيه بالمشكلة التي بينها وبين ما تقدمها من الأبيات المنبئة عن المفاسدة بين العشائر، وما يتولد فيها من الأحن والضغائن، المنسية للتواشج والتناسب، المنشئة لهتك المحارم، المبيحة لسفك الدماء وقطع العصم، إذ كان عقوق البنين للآباء وتناسي الحرم فيه مثل ذلك وهو ظاهر بين".
ومع صلاح هذه التعليلات فإن من الصعب أن نجد تسويغًا لوجود أبيات في الخمرة والدعوة إلى الشراب قد سلكت في باب النسيب إلا أن نقدّر كما قدر أبو تمام أن النسيب صِنْوُ الخمرة وتوأمها في التأثير في النفس ودفعها إلى حالة واحدة من الانتشاء (18) ، كما قال الشاعر متغزلًا (19) :
هي الخمر في حسن وكالخمر ريقها
وقد جُمِعَتْ فيها خمورٌ ثلاثةٌ ... وفي واحد سكر يزيد على السكر
وقد نبه المرزوقي أيضًا إلى دخول الحماسيات ذوات الأرقام (178 و 481 و 585) في باب النسيب وهي ليست منه. ... سحائب منه أعقبت بسحائب