فكيف نقتنع أنهما من الحماسة والشاعر فيهما يعرض طرفًا من مأساة حبه، وينكر على زوج محبوبته أن يقابل زوجته بالمسالمة ويقابل الشاعر بالمغاضبة وقد ثبت أن بينهما اتفاقًا في العواطف لا يواريه الشاعر ولا يتخفى منه، وربما كان بينهما تواصل ولقاء. وليس من المعقول أن يكون لفظ الحرب في البيتين قد أدى أبا تمام إلى أن يسلكهما في الحماسة. ... بناتي إنهن من الضعاف
والأعجب من ذلك أننا نجد في باب الحماسة أيضًا أبياتًا نسبها أبو تمام إلى عيسى بن فاتك وهو رجل من الخوراج، يقعد عن الحرب إشفاقًا على بناته، فهو يخشى إذا أصابته المنية أن تنزل بهن الفاقة والبؤس والفقر، وأن يعشن بعده في كنف جلف من الأعمام يظلمهن ولا يحسن إليهن، فيقول (16) :
لقد زاد الحياة إليَّ حبًا
أحاذر أن يذقن البؤس بعدي ... وأن يشربن رنقًا بعد صاف
وأن يعرين إن كسي الجواري ... فتنبو العين عن كُرْمٍ عجاف
وأن يضطرهن الدهر بعدي ... إلى جلف من الأعمام جاف
ولولاهن قد سومت مهري ... وفي الرحمن للضعفاء كاف
تقول بنيتي أوص الموالي ... وكيف وصاة من هو عنك خاف
والحماسة في الأصل تعني التشدد، ثم كثر استعمالها واتسع معناها حتى صارت تطلق على الشجاعة التي هي الأولى من صفات العرب وأم فضائلهم، لما فيها من معنى الشدة على النفس والقرن، وعلى هذا فإن أبا تمام حين اختار للحماسة لم ينظر إلى معناها الضيق المحسوس من الكر والفر والإيقاع بالأقران والتصدي للخصوم في ساحات الحرب، بل نظر إلى معناها العام، وإلى بعض ما يتفرّع عنها من خصال كالنخوة والصبر على الأرزاء والمحن والاعتزاز بالشهامة في وقت السلم وفي وقت الحرب، وعلى ذلك فكأن الشاعر الأحوص كان يرى من الحماسة أن يتحلى بعل ليلى بالنخوة والشهامة والصبر على الأرزاء، فيكبت غيظه ويكف أذاه ويكون له من عقله وحلمه ضابط لما اشرأب في نفسه من غضب ونزق، ما دامت الزوجة قد اشتركت مع الشاعر في الذنب. ... ورقة ذاك اللون من رقة الخمر