وهذا ما سوغ لأبي تمام فيما أعتقد تغيير اللفظ بما يتفق وسياق الأبيات، هذا إلى أن رواية البيت في الأشياء والنظائر تطابق رواية الوحشيات. ... وحربي وفيها بيننا كانت الحرب
ومع ذلك فإذا صحت هذه التهمة على أبي تمام وأن هذا التغيير ليس من عمل الرواة أو النساخ فإنها لا تنهض حجة مؤذنة بوصم الشاعر بالحياد عن الأمانة في النقل والرواية، وهذا الأستاذ عبد السلام هارون يقول:"وهذه التهمة: تهمة أبي تمام بتغيير النصوص التي اختارها والتي يدعمها المرزوقي في أثناء شرحه بما يظهرها ويقويها كان جديرًا بها أن تنزل بقيمة الحماسة باعتبارها نصوصًا يستشهد بها في علوم اللغة والعربية، ولكنا نجد العلماء مجمعين على تزكية أبي تمام في الحماسة، وعلى تزكية الحماسة ونصوصها، بل يعدون صنيعه في الحماسة داعية إلى الوثوق بشعر أبي تمام والاستشهاد بشعره، وفي ذلك يقول الزمخشري:"وهو وإن كان محدثًا لا يستشهد بشعره في اللغة، فهو من علماء العربية، فأجمل ما يقوله بمنزلة ما يرويه، ألا ترى إلى قول العلماء: الدليل على هذا بيت الحماسة، فيقنعون بذلك لوثوقهم بروايته وإتقانه" (14) ."
3-إننا نجد في بعض أبواب الوحشيات مقطعات يصعب أن تعد من الباب الذي هي فيه: إلا إذا حاولنا أن نديم البحث في مضمون هذه الأبواب وحقيقة تسمياتها مقرين أن قضية الفصل بين الفنون قضية وثيقة الصلة بالمعنى الشعري لا بالشكل والصياغة، وأن نظر أبي تمام في فنون الشعر وأغراضه يتصف بالتمكن والإحكام، وهو الخبير بمعاني الشعر، المدرك لآفاقه ومراميه، إذ كان سباقًا إلى التمييز بين هذه الفنون على تشعبها أو تداخلها في كثير من الأحيان.
فهذان مثلًا بيتان للأحوص قد تضمنها باب الحماسة يقول فيهما (15) :
فيا بعل ليلى كيف تجمع سلمها
لها مثل ذنبي اليوم إن كنتُ مذنبًا ... ولا ذنب لي إن كان ليس لها ذنب