2-إن أبا تمام كان يعمل قلمه في بعض المفردات الشعرية فيغيرها ويبدلها كما يحلو له ليستقيم المعنى وتعتدل الفكرة ويأتي البيت في صياغته على حسب ما يرضي ذوقه ويصيب هواه، ولقد كان المرزوقي في مقدمة شرحه للحماسة الكبرى قد تنبه لذلك وصرح به في قوله:"حتى إنك تراه ينتهي إلى البيت الجيد فيه لفظة تشينه، فيجبر نقيصته من عنده، ويبدل الكلمة بأختها في نقده، وهذا يبين لمن رجع إلى دواوينهم فقابل ما في اختياره بها" (13) ، ثم نجده في شرحه للحماسية ذات الرقم (347) يورد قول ابن العميد:"إني لأتعجب من أبي تمام مع تكلفه رمّ جوانب ما يختاره من الأبيات، وغسله من درن بشع الألفاظ، كيف ترك تأمل قوله: فليأت نسوتنا، وهذه لفظة شنيعة..".
وقد وقع الأمر نفسه في الوحشيات غير ما مرة، وأشار إليه الأستاذ محمود شاكر في زياداته على الحواشي، واتهم أبا تمام مرة بالتخليط وأخرى بالإفساد، ففي الوحشية ذات الرقم (397) لكعب بن ذي الحبكة النهدي روى أبو تمام البيت الأول على هذا النحو:
أترجو اعتذاري يا بن أروى ورجعتي
وروايته:"إلى الحق دهرًا"، وذلك في تاريخ الطبري (5: 97) ومعجم الشعراء للمزرباني (345) ومعجم البلدان مادة"دنياوند"، ولا يخفى ما طرأ على المعنى من اختلاف جراء اختلاف الرواية. وفي الوحشية ذات الرقم (471) روى أبياتًا في وصف أولها قول الشاعر: ... فوق الذراع ودون بَوع البائع
يكفيك من قَلَع السماء مهندٌ
وصواب الرواية كما في الحيوان (5: 88) :"قلع السماء عقيقة"، ويعلق الأستاذ محمود شاكر على هذا البيت بقوله: و"قلع السماء"قطع من السحاب كأنها الجبال، و"العقيقة"البرق يشق السحاب كأنه سيف مسلول، وأما أبو تمام فقد غير الشعر فأفسده. ... طول الدّياس وبطنُ طير جائع
ولكني أرى أن الضمير في الأبيات التالية عائد إلى مذكر لا إلى مؤنث، إذ يقول الشاعر بعد ذلك:
صافي الحديدة قد أضر بجسمه
أُمر المواطرُ والرياحُ بحمله ... فحملنه لمضاير ومنافع