ويصف السيوطي نفسه هذا الكتاب بقوله:"وهو كتاب جليل حافل، فيه نفائس متعلقة بالاجتهاد" (32) . وعرض في الباب الأول نصوص العلماء على أن الاجتهاد في كل عصر فرض من فروض الكفايات، وأنه لا يجوز شرعًا إخلاء العصر منه (33) ، وصرح في سيرته الشخصية، فقال:"وقد كملت عندي الآن آلات الاجتهاد بحمد الله تعالى، أقول ذلك تحدثًا بنعمة الله تعالى، لا فخرًا، وأي شيء في الدنيا حتى يطلب تحصيلها بالفخر، وقد أزف الرحيل، وبدا الشيب، وذهب أطيب العمر، ولو شئت أن أكتب في كل مسألة مصنفًا بأقوالها وأدلتها النقلية والقياسية، ومداركها ونقوضها وأجوبتها، والموازنة بين اختلاف المذاهب فيه لقدرت على ذلك من فضل الله". (34) .
ويقول السيوطي أيضًا:"فقد بلغت ـ والحمد لله والمنّة ـ رتبة الاجتهاد المطلق في الأحكام الشرعية، وفي الحديث النبوي، وفي العربية" (35) . ويقول في دعوى الاجتهاد:"فإني لم أ قله في الابتداء صريحًا بلساني، وإنما ذكرت ذلك في بعض الكتب... فنقله من قصد التشنيع، لا الشهرة، فلما رجعت فيه صرت أقرر لمن راجعني فيه أمره.. مع أني عددت تصدي هذا العدو لإشهاره فضلًا من الله إجراء على يديه فلا أستطيع القيام بشكر عشر معشاره" (36) .
ولكن العلماء لم يسلموا له هذه الدعوى، لأنه لم يبتكر أصولًا للاجتهاد، وقواعد للاستنباط مستقلة عن غيره، ليعتمد عليها في اجتهاده، دون أن يقلد غيره، كما هو شأن المجتهد المطلق كإمام لمذهب، وأنه اعترف أنه لم يصل في الفقه والفرائض درجة بقية
العلوم التي تبحر بها، وأنه دون ذلك في أصول الفقه (37) ، وهذا يحتاج لبحث مستقل عن"اجتهاد السيوطي".
*توفر شروط الفتوى عند السيوطي:
إن المفتي يخبر عن حكم الشرع، ويبين حكم الله تعالى الذي عرفه ووصله إليه إما باجتهاده، كالأئمة، والمجتهد المطلق، وإما بما وصل إليه إمام مذهبه الذي يتفق معه فيه، أو يقلده به.