والكلام السابق يدل على أن السيوطي بلغ رتبة الاجتهاد عند تقدم السن، ولذلك لم يمارسه بتوسع كبقية الائمة، ونازعه فيه غيره في هذه الدعوى، ولكن ظهر أثر اجتهاده في عدة جوانب وكتب، وهي:
1 ـ كتاب الاجتهاد"الرد على من أخلد إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض".
2 ـ تقعيد القواعد الفقهية في كتابه"الأشباه و النظائر".
3 ـ تفرد السيوطي بخمسة وثلاثين رأيًا، صنف فيها كتابًا سماه"التحدث بنعمة الله"، وختمه بهذه المسائل والآراء التي أثبت فيها اختياراته.
ويظهر من ذلك أن السيوطي مجتهد مطلق،"وهو الذي لم يقلد إمامه، ولكن سلك طريقه في الاجتهاد"، بخلاف المجتهد المستقل:"الذي استقل بقواعده لنفسه، يبني عليها الفقه خارجًا عن قواعد المذاهب المقررة" (38) .
فالسيوطي بلغ رتبة الاجتهاد المطلق، ولكنه تابع للإمام الشافعي، وهذا ما يصرح به فيقول:"والذي ادعيناه هو الاجتهاد المطلق، لا الاستقلال، بل نحن تابعون للإمام الشافعي رضي الله عنه، وسالكون طريقة في الاجتهاد، امتثالًا لأمره، ومعدودون من أصحابه". (39) .
ويضاف إلى ذلك خبرة السيوطي الواسعة في الفقه عامة، وفي فقه المذهب الشافعي خاصة، واختصاره أمهات كتب الشافعية السابقة، كل ذلك يؤهله لمنصب الإفتاء والفتوى، ويكشف قدرته الكاملة على بيان الأحكام الشرعية، مع التذكير والتركيز على كتابه العظيم"الأشباه والنظائر"، الذي يتضمن القواعد الفقهية في فقه الشافعية، والتي تعتبر أحد وسائل الفتوى، والاشتهار فيها.
يقول ابن النجار الفتوحي عن القواعد الفقهية، وأنها أحد أبواب الاستدلال للأحكام الشرعية،"قواعد الفقه تشبه الأدلة، وليست بأدلة، ولكن ثبت مضمونها بالدليل، وصارت يقضى بها في جزئياتها، كأنها دليل على ذلك الجزئي، فلما كانت كذلك ناسب ذكرها في باب الاستدلال". (40) .
وهذا يقودنا إلى بيان ممارسة السيوطي للفتوى والإفتاء، ودراسة فتاويه التي دونها بنفسه.