والاجتهاد أعظم درجات الفقه في الدين، والتفقه في الشرع، والإحاطة بفهم النصوص، والقدرة على الاستنباط منها، وبذل الجهد في معرفة الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية (30) ، وله شروط معينة، وصفات محددة، ويعتمد على إتقان عدة علوم وفنون متنوعة.
والسيوطي رحمه الله تعالى توفرت فيه شروط الاجتهاد، وكملت فيه صفاته، وحصل العلوم المطلوبة فيه، وخاصة العلوم الشرعية، والعلوم العربية، وعلوم الآلة، حتى أدرك مناط البحث والاستنباط، وعرف بنفسه ذلك، فلم يتوارَ عن الأنظار، ولم يبخس نفسه حقها، ولم يتواضع تقيَّة، فأعلن الاجتهاد، وادعى وصوله إليه، وأنه بلغ رتبة الاجتهاد المطلق، وكسر القيد الوهمي الذي شاع في غلق باب الاجتهاد، وطلب السيوطي فتحه لمن توفرت فيه شروطه، وأثبت أن الاجتهاد باقٍ في الشرع، وأنه موجود في كل زمان ومكان، وأقام الحجة الشرعية على ذلك، وقدَّم الأدلة التاريخية، والأمثلة العملية من كبار العلماء والفقهاء في مختلف المذاهب على توالي الأزمان، وصنف كتابًا في الاجتهاد وشروطه، والدعوة إليه، ووجوب إحيائه وممارسته، وشن الهجوم على دعوى إغلاق باب الاجتهاد، ونعى على الداعين لتركه أو التخلي عنه، أو التواضع في إخفائه، وأشار إلى ذلك في عنوان كتابه:
"الرد على من أَخْلَدَ إلى الأرض، وجَهَل أن الاجتهاد في كل عصر فرض" (31) .