ومتى كان العالم متضلعًا بعلم الفقه، وقادرًا على إدراك الأحكام، وفطنًا وذكيًا لاستنباط أحكام الشرع للمسائل الجديدة، استطاع أن يبزَّ غيره في الفتوى، وأن يشتهر في البلاد والآفاق، ويقصده الناس بالفتوى والاستفتاء، وخاصة في بيان الأحكام التي تخص الأمة ومصيرها ومصالحها العليا، وشؤونها العامة في وقت الأزمات والنكبات، وقد تتعلق الفتوى بالحكام بما يخالف ميولهم وتوجيهاتهم، ومن هنا تنبع خطورة منصب الإفتاء وأهميته ومسؤوليته، لينطلق العالم و المفتي بحكم الله تعالى الذي يحقق العدل، ويقيم الحق، ويمنع الظلم، ويكبح جماح المعتدين والمنحرفين.
وظهر في التاريخ الإسلامي عدد لا يحصى من العلماء الأعلام، والمفتون البارزون، منهم كبار الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، ومن التابعين سعيد بن جبير، ثم الأئمة الأربعة: أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، ثم أصحابهم كأبي يوسف ومحمد والمزني واسحاق الحربي وابن القاسم ثم ابن سريج وأبو حامد الاسفراييني، ثم النووي والعز بن عبد السلام، وابن تيمية، والسبكي والسيوطي، وحتى عصرنا الحاضر.
المبحث الثاني: أهلية السيوطي للفتوى
عرفنا سابقًا أن الفتوى فرع من علم الفقه، وأنها تقوم على بيان الأحكام الشرعية، وأن دراسة علم الفقه هو نقطة البداية في علم الفتوى، وأن إتقان علم الفقه، والتعميق في تحصيله، والتوسع في معرفته، وهو الركن الرئيس للفتوى، والأساس القويم لحسن القيام بها، والنبوغ فيها، ومتى أصبح الإنسان فقيهًا، وبلغ شأوه، اشتهر في الآفاق، والتف حوله الطلاب، وقصده الناس بالسؤال، وعظمت سمعته بين العلماء، ليكون مفتيًا باستحقاق وجدارة، ويثبت كفاءته الغالية.
لذلك نبين صلة السيوطي بالفقه، ودراسته له، ومصنفاته فيه، وبلوغه المرتبة العليا في تحصيله بالاجتهاد، وتوفر أهلية الفتوى وشروطها فيه.
*السيوطي يدرس الفقه: