لذلك قام العلماء والفقهاء من الصحابة فمن بعدهم بواجب الفتوى، وبيان الأحكام الشرعية، بعد تحصيل العلم، ومعرفة الأدلة، وكان الأستاذ أو الشيخ يجيز الطالب بالإفتاء والفتوى، متى أنس منه الحد الكافي واللازم في حفظ الأحكام الشرعية، وتنزيلها على الأسئلة والتطبيق العملي.
والأصل أن الإفتاء واجب ديني، ولم يصبح وظيفة مرسومة، ومنصبًا رسميًا في الدولة الإسلامية إلا في الخلافة العثمانية، وكان العلماء والفقهاء يقومون بهذا المنصب الجليل من تلقاء أنفسهم، امتثالًا لأمر الله تعالى، والتزامًا بوصية رسوله (، وأداء للواجب المقدس الملقى على عاتقهم بتبليغ الشرع وبيان الأحكام، وطمعًا بالثواب الدائم والأجر العميم.
شروط المفتي:
ونظرًا لأهمية الفتوى وخطورتها في أنها إظهار لحكم الله تعالى في المسألة، وتبليغ عن رسول الله في دين الله، وتوقيع عن رب العالمين في بيان شرعه فقد بين العلماء صفات المفتي، وذكروا الشروط التي يجب أن تتوافر فيه ليقوم بهذا العمل الجلل (17) .
فقالوا: ينبغي أن يكون المفتي ظاهر الورع، مشهورًا بالديانة الظاهرة، والصيانة الباهرة، ويشترط فيه أن يكون مسلمًا، مكلفًا، عَدلًا، ثقة، مأمونًا، متنزهًا عن أسباب الغسق وخوارم المروءة، فقيه النفس، سليم الذهن، رصين الفكر، صحيح التصرف والاستنباط، متيقظًا، وينبغي أن يكون كالراوي والقاضي، لا يؤثر فيه قرابة وعداوة، وجرّ منفعة ودفع ضرر، لأن المفتي في حكم المخبر عن الشرع بما لا اختصاص له بشخص، فكان كالرواي، ولكن فتواه لا يرتبط بها إلزام بخلاف حكم القاضي، وتقبل الفتوى من الحر والعبد، والمرأة والرجل، والأعمى والأخرس، إذا كتب أو فُهمت إشارته.
وإذا كان المفتي مجتهدًا مستقلًا ـ وهو قليل ـ فيشترط فيه أن يكون قيمًا بمعرفة أدلة الأحكام الشرعية، ومتوفرًا فيه شروط الاجتهاد المعروفة في علم أصول الفقه.