فهرس الكتاب

الصفحة 11207 من 23694

إنه يصور قدرته على قهر خصومه، فيقول:"إن ثمَّ من ينفخ أشداقه، ويدعي مناظرتي، وينكر على دعوى الاجتهاد، والتفرد بالعلم على رأس هذه المئة، ويزعم أنه يعارضني، ويستجيش علي بمن لو اجتمع هو، وهم في صعيد واحد، ونفخت فيهم نفخة صاروا هباءً منثورًا...".

وعندي أن هذه الخصلة ناشئة من فرط الحساسية بالذات، وبالمواهب. وهي سر كثرة الخصوم، وشدة العداوة، لأن الإنسان قد يصبر على مصائب الدنيا، ولا يصبر على من يستهين به. فكيف إذا كان من أهل العلم، والبيان، وله في مجتمعه مقام.

وقد تعين هذه الخصلة صاحبها على الوقوف لحظة في وجه خصم، أو اثنين، أو ثلاثة... ولكن لا يمكن أن تجعله يصمد فترة طويلة في مقارعة خصوم لهم قوة، وتأثير في السلطان، وفي العامة....

وعندئذٍ لا بد أن يلجأ إلى العزلة، والتفرد، والانزواء بعيدًا عن الناس...

وهذا ما انتهى إليه السيوطي في سنواته الأخيرة، فقد ترك القاهرة، واعتزل في بيته بالروضة (5) ، وأغلق بابه دون طلبة العلم، والفتوى، وحتى الخواص من العلماء، والأصدقاء... بل أغلق نوافذ بيته المسترخي بين أحضان الطبيعة الغناء، والنيل الخالد.. لا يعزيه في هذه الوحدة إلا الكتاب، والقلم، وتلميذ يكتب له، بعد أن رحلت عنه زوجته إلى دار البقاء، دون عقب.

وظل على هذه الحال سنين عددًا، إلى أن وافاه الأجل بعد أن مرض ترك في ذراعه اليسرى ورمًا سبعة أيام. وكانت جنازته يومًا مشهودًا خرج فيه الطلبة، والأحبة، والخصوم جميعًا، ودفن في قبر أبيه في مقبرة قوصون شرقي باب القرافة، والمعروف اليوم ببوابة السيدة عائشة بشارع سيدي جلال. وهو مزار مقصود يقف المرء عنده ليذكر من عاش للعلم من المهد إلى اللحد. ولئن بلي منه الجسد، فإن ما تركه من تراث في علوم الشريعة، واللغة العربية المقدسة، خالد لا يبلى مع الزمان، وسيبقى السيوطي ترنيمة فخر على كل لسان.

دمشق: 23 ذي القعدة 1412هـ

24 أيار 1992م.

المحامي

سعدي أبو جيب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت