وحسبك أن جعفرًا الصادق (ر) ، وأبا حنيفة، ومالكًا، والشافعي، وأحمد، والطبري، والأوزاعي، والثوري لم تخطر لهم هذه الدعوى على بال، مع أن كلًا منهم بلقب المجتهد الأعظم جدير، لإجماع الأمة على ذلك في كل العصور، لا ينازع فيه إلا معاند، أو مكابر... فأين السيوطي من هؤلاء، وأمثالهم.؟ بل أين هو من طبقة المجتهدين في كل مذهب.؟ .. ولئن سلمنا له مخالفته لفقهاء عصره في نحو خمسين مسألة، كما قال، فإننا لا ندري أمسبوق هو فيها أم مجتهد..؟ فإن كانت الأخرى، فإن المجتهد الحق هو الذي يتحلى بملكة الاجتهاد، والقدرة على إعطاء الحكم الشرعي في واقعة لم تحكم بنص، ولا بقول لفقيه، وذلك استنادًا لقواعد الاستدلال المعروفة في أصول الفقه.
ومن وقف على ما نشر من آثار السيوطي الفقهية لا يقف إلا على جودة التصنيف، والاعتماد على أقوال العلماء، ونقلها بدقة وأمانة، ولا شيء سوى ذلك.
وعلى كل حال، فالمسألة عندي تحتاج لمن يتصدى لبحثها، والكشف عن موقع الإمام السيوطي بين أهل الاجتهاد، يفعل ذلك كرامة للعلم، وإنصافًا للرجل.
وأما ما يتعلق بشخصه، فكلام هواء، أعرضت عن ذكره، لأن خصومه أقذعوا النقد، فرد عليهم بمثله، فاستوفى بذلك حقه، وخير للقلم أن يرتفع عن نشره، لأنه لا يسمن، ولا يغني من جوع.
ومهما يكن، فحسب هذه الخصومة أنها أخرجت ما كان مخبأ من كنوز العلم في ذاكرة المتخاصمين، فأغنت الثقافة، وانتفعت بها الأجيال.
وأما المتصوفة، فقد كان لهم في عصر السيوطي صولة، ودولة، تأتيهم الأرزاق الوفيرة من أوقاف الخوانق (4) ، التي أنشأها السلاطين، والأمراء، والأغنياء.
وبعد أن تولى السيوطي مشيخة البيبرسية، وجد الكثير منهم لا يستحق هذا الرزق، لأن شرط الواقف لا ينطبق عليهم، وهو ما لا يمكن له السكوت عنه، لأنه الفقيه والعالم بأن شرط الواقف كنص الشارع، كما هو مقرر في كتب الفقه.