وقد بدأت شهرة السيوطي بين العلماء، والعامة على حد سواء سنة 875 هـ حين وقعت في القاهرة معركة فكرية قامت حول أبيات من الشعر لابن الفارض وردت في قصيدته التائية المشهورة، وكان العلماء بين مهاجم يرمي ابن الفارض بالكفر والزندقة لقوله بالحلول، والاتحاد، وبين مدافع يدعي له الولاية..
وكان من الفريق الأول العلامة برهان الدين البقاعي، وقاضي القضاة محب الدين ابن الشحنة، وقاضي القضاة عز الدين الحنبلي، وثلة من أهل العلم.
وأما الفريق الثاني، فيتزعمه الكافيجي، وقاسم الحنفي، وبدر الدين بن الفرس، وجمهرة من أهل العلم..
وقامت بين الفريقين مناظرات، وشطرت العامة قسمين.. وكان السلطان قايتباي ذو النزعة الصوفية، والأمراء، والكثرة من الناس مع الفريق الثاني، وذلك لانتشار التصوف، وطرقه في المجتمع، وتغلغله بين طبقاته.
وكان السيوطي مع الفريق الثاني، فكتب رسالة:"قمع المعارض في نصرة ابن الفارض". وأتبعها بأخرى بعنوان:"البرق الوامض في شرح تائية ابن الفارض". وانتهى إلى تمجيد ابن الفارض، وجعله من كبار الأولياء، بل يذهب إلى أنه من أعلام الفقهاء. وهذا مالم يقل به أحد من أهل العلم.. وقد ترك له هذا الموقف شهرة، وأي شهرة.
وكان السيوطي موضع احترام وتقدير أصحاب السلطة... فالخليفة العباسي المتوكل على الله تولى الخلافة بين عامي 884 و903 كان يبالغ في احترامه، ويلقبه"شيخ الإسلام والمسلمين"و"حافظ العصر"، و"مجتهد الوقت".. وقد عهد إليه سنة 892هـ بالنظر بأمور القضاة في جميع البلاد، يقر الصالح منهم، ويعزل سواه... ولكن هذا العهد لم ينفذ، لأن القضاة ثاروا عليه، وعدوه افتئاتًا على السلطان.
وأما سلاطين المماليك الذين عاصره، قد كان له في نفوسهم احترام شديد، عدا السلطان طومان باي، الذي توعده بالقتل، فاختفى في عهده حتى خلع، وكان الأمراء والأغنياء يقصدونه للزيارة، ويتوددون له بالهدايا، فيرفض...