أما علم المنطق فقد أعرض عن دراسته حين وقف على أقوال بعض الفقهاء بتحريم الاشتغال فيه، وكتب سنة 868هـ رسالة بعنوان:"القول المشرق في تحريم المنطق".
غير أنه بعد عشرين سنة اضطر لدراسته، ومعرفة أصوله، وقواعده، لتكمل لديه أهلية الاجتهاد، وكتب بذلك كتاب"صون المنطق والكلام".
وتدلك بعض المؤلفات على عمق ثقافة السيوطي، وقدرته على جمعها، واستحضارها في فكره..
فتراه في المقامات يتكلم على لسان المقرئ، والمفسر، والمحدث، والفقيه، والأصولي، والجدلي، واللغوي، والفلكي، والطبيب، والمنطقي، والصوفي، بمصطلحات كل من هذه العلوم والفنون. وربما أورد في المقامة الواحدة مصطلحات أكثر من علم وفن... ويزين كل ذلك بما يحفظ من روائع الشعر، وأقوال الحكماء، والعلماء، ويضع كل ذلك في محله اللائق.
ولو أن أحدًا درس المقامات، واستخرج مافيها من مصطلحات، لقدَّمَ لنا ثروة علمية، وفنية، قلما يظفر بمثلها عند أحد من العلماء ـ فيما أعلم ـ.
وتشير تلك المؤلفات إلى أن تلك الثقافة كانت منظمة، مرتبة، لا اختلاط بين فروعها ولا تداخل..
فلو وقفت على الفن الذي يكتب فيه، لحسبت أنه لا يتقن غيره... وتلك خصيصة فذة، ونادرة، حتى قال تلميذه الشاذلي في وصفه:
"انفرد بغزارة العلم، وكثرة الحفظ، وسعة الاطلاع، واستحضار كل تصنيف صُنِّفَ بين عينيه.".
وصدق فيما قال.
*المكانة:
تبوأ السيوطي في المجتمع مكانة رفيعة، لما يتمتع به من غزارة علم، وسعة تأليف، وعراقة محتد... ولم يكن في أهل العلم في عصره من يدانيه في ذلك إلا شيخ الإسلام زكريا الأنصاري، لجلال قدره وعظيم علمه، ولتقدمه في السن، فقد ولد قبل السيوطي بربع قرن.