فقوله (لا تلفنا) هو جواب الشرط دون القسم بدليل الجزم، وقد أولوه، فمنهم من حمله على ضرورة الشعر، كما جاء في كتاب (الضرائر) لمحمود شكري الآلوسي (ص /216) ، و منهم من لم يجعله من الضرائر فأوله على وجه من الوجوه كابن عصفور الأندلسي في كتاب (الضرائر) . وكذلك فعل ابن هشام في كتابه (مغني اللبيب - 1/ 189) ، إذ اعتد اللام في (لئن) زائدة في أمثاله، لكنه خص ذلك بالشعر واستشهد بقول الشاعر: ... أصمْ في نهار القيظ للشمس باديا
لئن كان ما حُدثته اليوم صادقًا
والبيت لأمرأة من عقيل. ... فلست مُضيعًا فيهمُ غرر الكلم
وقد ذهب ابن هشام إلى أن اللام في (لئن) زائدة وأن الشرط أجيب بالفعل المجزوم (أصمْ) ، إذ قال:"ولو كنت اللام للتوطئة لم يُجب إلا القسم، هذا هو الصحيح، وخالف في ذلك الفرّاء فزعم أن الشرط قد يجاب مع تقدم القسم عليه".
وإذا عدنا إلى الفحول من الشعراء وجدنا أنهم لم يستكرهوا مخالفة القياس أو يستبعدوه في هذا الباب، فجاء الجواب للشرط في أشعارهم، مع تقدم القسم عليه، فهذا الإمام الشافعي يقول في حديث عن أهل العلوم:
لعمري لئن ضُيِّعت في شر بلدة
والشافعي حجة فقد استظهر القرآن منذ صباه، وخرج إلى البادية فحفظ كثيرًا من أشعار الهُذليين، وكانوا من أفصح العرب، وروي عن الإمام الشافعي الأصمعي أنه صحح عليه أشعار هؤلاء. وهذا المتنبي فقد جاء في مرثيته لجدته من أمه. ... فقد ولدت مني لآنافهم رغمًا
لئن لذَّ يوم الشامتين بيومها
فكان الجواب للشرط في قوله (فقد ولدت) مع تقدم القسم، وقد روي أيضًا (فقد ولدت مني لأنفهم رغمًا) . ... ففرعي لسيف الدولة القرم ناصر
وهذا أبو الفراس الحمداني يقول في مفاخر قومه:
لئن كان أصلي من (سعيد) نجاده
و (سعيد) هو ابن عم الشاعر، والقرم هو السيد والعظيم. ... لعهدي به حيًا يُحَبُّ به الدهر
وقال أبو تمام يرثي محمد بن حميد الطوسي:
لئن أُبغض الدهر الخؤون لفقده
لئن غدرت في الروع أيامه به ... فما زالت الأيام شيمتها الغدر