فهرس الكتاب

الصفحة 11073 من 23694

المشكلة أن لدى الناقد عصفور رؤية نقدية مسبقة، يسقطها على النص النقدي فيصبح النص غريبًا عن ذاته، وينطق بأفكار ناقد اليوم لا ناقد الأمس، فينطق بأفكار عصرنا لا عصره، ونرى إنجاز ابن المعتز في ضوء فكر غريب عنه، وبذلك تتحول قراءة ابن المعتز إلى قراءة د. جابر عصفور، الذي نجده كل ما يناقض أفكاره المسبقة فهو حين يتحدث عن هدف ابن المعتز من تأليف كتابه طبقات الشعراء (جمع ما وضعته الشعراء من الأشعار في مدح الخلفاء والوزراء والأمراء من بني العباس) فيعلق د. عصفور قائلا:"وتلك عبارة لا معنى لها إلا توظيف الكتاب بوصفه عنصرًا من العناصر التي تستخدمها الأجهزة الأيديولوجية للدولة العباسية، ويحص ابن المعتز في هذا التوظيف على الاحتفاظ بالشعراء البارزين الذي مدحوا آل بيته من بني العباس... ويتجاهل الشعر الذي يمكن أن يعكر ذكره هذه العناية (كالشعر الذي ينطق بسوء أحوال الرعية..."(13) .

لو قرأنا كتاب الطبقات دقيقة لوجدنا ابن المعتز يورد أبياتًا لأبي الفضة البصري في ذم الدولة العباسية منها:

لا أحسب الجور ينقضي

وفي هذا ذم صريح لحكام الدولة، الذي أشاعوا والقهر في أرجاء دولتهم، وهو لا يكتفي بذكر شعر المعارضة، بل نجده يذكر نثرهم في ذم العباسيين، فيورد قولًا لشاعر أسمه"درست المعلم"يرى رأي الخوارج، ويرى الداردار كفر، ويقول عن العباسيين"عطلوا الأحكام وغيروها، وقد قال الله تعالى: )ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون" (15) . ... قلبًا حشوت هواه باللذات

فهو يضم العباسيبن بأشنع تهمة أن توجه إليهم، وهي الكفر وعدم الالتزام بأحكام الشريعة، ومن يوثق هذه التهمة ويثبتها؟ إنه أحد أبناء الخلافة العباسية وبذلك قدم لنا ابن المعتز مثالًا رائعًا لسعة الصدر وانفتاح الأفق، واحترام الرأي المخالف، حتى لو كان هذا الرأي يسيء إلى سمعة دولته التي ينتمي إليها ويحلم أن يكون أحد حكامها!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت