ولو لم يكن ابن المعتز من أنصار الطريقة المحدثة في الشعر، لما وجدناه يؤلف كتابًا سماه"البديع"يتحدث فيه عن الأساليب التي شاعت في الشعر المحدث. صحيح أنه يتحدث في مقدمته عن أسبقية القرآن الكريم والأحاديث الشريفة والشعر القديم في استخدام وسائل البديع"وقدمنا في أبواب كتابنا هذا بعض ما وجدنا في القرآن واللغة وأحاديث رسول الله r وكلام الصحابة والأعراب وغيرهم، وأشعار المتقدمين من الكلام الذي سماه المحدثون البديع، ليعلم أن بشارًا ومسلمًا وأبا نواس، ومن تقبلهم وسلك سبيلهم، لم يسبقوا إلى هذا الفن، ولكنه أكثر في أشعارهم فعرف في أزمانهم حتى سمي بهذا الاسم، فأعرب عنه ودل عليه" (6) .
ان هذا القول لا يعني انتصارًا للقديم على الحديث، لأن الناقد يتابع إنجاز المحدثين في هذا المجال، كما نجده يعرّف هذه الوسائل رغبة منه في توضيحها، وإرساء دعائمها، وبذلك يصلها بجذورها القديمة، ويبين مدى تطورها عنه فيسعى بعمله هذا إلى تأصيل هذه الأساليب الحديثة، ويبرر تداولها.
إذن لا تعني هذه المقدمة أن ابن المعتز كأستاذه يجعل كل"حسن"في إنجاز المحدثين منسوبًا إلى القديم دائمًا، ويوقع كل قبح على تباعدهم عنه، في فجاجة تأويلية، تفرغ إنجاز المحدثين من أي معنى للجدة، وتفرغ إرادة الجدة من أي موجب..." (7) ."
هل الجديد قفزات في الهواء، لا يطأ الأرض، ولا يمد جذوره فيها؟
إن الجدة لا تأتي من فراغ، وكل ما فعله ابن المعتز هو أنه ذكر في المقدمة أن هذا البديع قد وجد من قبل، فكيف نتهمه باتباع الأقدمين والهجوم على المحدثين؟!.
وفي مجال التطبيق يرى د. عصفور أن أحكام ابن المعتز في مجالسه كانت تدور في الدائرة نفسها"تلقى الأبيات على الأسماع، ويتبارى الحضور في إخراج المخزون من المحفوظ، لتتم دورة قص الأثر أو شعيرة عبادة الأسلاف، فيعود كل بيت جديد إلى أصل قديم" (8) .