وهذا تفضيل صريح لأبي تمام على البحتري، فهل يمكن أن يصدر هذا القول عن ناقد تقليدي رافض للشعر المحدث، الذي يمثله أبو تمام أصدق تمثيل، ولم نجده غير معجب، كما يرى د. عصفور، بالجانب الذي"يمثل انقطاعًا عن الأصول النموذجية القديمة، وتأسيسًا مناقضة حديثة".
لقد توقف د. عصفور عند رسالة ابن المعتز عن محاسن أبي تمام ومساوئه (التي لم يصلنا منها سوى المساوئ) حيث يبدو فيها الناقد مهاجمًا لطريقة أبي تمام المحدثة ولكن رأيه هذا قد تغير وظهر نقيضه في كتابه"طبقات الشعراء"الذي كتبه قبل وفاته بسنتين والذي يمثل تطور ذوقه ونضج حكمه النقدي، ولكن الناقد عصفور لا يتتبع تطور ابن المعتز، فلا نجده يلمح إلى الفترة الزمنية التي ظهرت فيها الرسالة والكتاب، ربما لأن هذه الإشارة قد تفسد عليه نظرته السكونية التي كونها عن ابن المعتز، فتخلخل أحكامه وتفسد موازينه، بل يجعل الرسالة التي ضاع قسم المحاسن منها وبقيت المساوئ فقط، مصدره الأساسي.
كل ذلك ليجعل من ابن المعتز ناقدًا يرفض الشعر الحديث، مع أنه يورد رأي ابن المعتز في قصائد أبي تمام"التي ترتاح لها القلوب"، وتجذل بها النفوس، وتصغي إليها الأسماع، وتشحذ بها الأذهان"، فقدم لنا بذلك تصويرًا دقيقًا لمزايا شعر أبي تمام، ومع ذلك لا نجدد. عصفور يعلق على هذا القول، خاصة عبارة"تشحذ بها الأذهان"!"
ترى هل يستطيع ناقد تقليدي أن يقول مثل هذا القول؟! ثم أليست هذه العبارات أحكامًا نقدية أصيلة تصلح لكل زمان ومكان!! ألا تكشف لنا ماهية الشعر المبدع والعظيم بغض النظر عن طريقته؟