وبلاغة الأعربيات أقرب إلى الطبع والتدفق العفوي، وسجعهنَّ بعيد عن التكلف، يصدر عن السليقة والطبع، ولا عجب فهن ينهلن اللغة من نبعها الصافي، وليس في كلامهن ما يبتعد عن حياة المرأة البدوية العادية، فلا سياسة أن ثقافة تجهد الفكر أو تقيد اللسان، إنهن يعكسن اللغة الشعبية وجوانب الحياة الخصيبة.
3-أجوبة النساء ومنطقهن:
وفي أجوبة بعض النساء يبرز إلى جانب بلاغة القول حدة الذكاء وقوة الحجة وسرعة البديهة، ويدخل في هذا الباب الذي عقد له المؤلف فصلًا خاصًا في مواقف النساء من أزواجهن من مدح وذم، وأورد ملحًا من نوادرهن ومزاجهن والمرأة في هذه المواقف تبدو قوية المنطق، بارعة النكتة، ومن تلك المواقف أجوبة امرأة أبي الأسود الدؤلي، فقد طلقها، فشكته إلى معاوية فمثُلًا أمامه، فسأل معاوية أبا الأسود عن سبب طلاقها..
فقال:... ما طلقتها عن ريبة، ولا لأي هفوة حَضَرَتْ، ولكني كرهت شمائلها، فقطعت عني خبائلها.
قال معاوية: وأي الشمائل كرهت يا أبا الأسود..؟
قال: يا أمير المؤمنين، إنك مهيّجها عليَّ بجواب عتيد ولسان شديد.
فقال له معاوية: لا بدَّ لك من محاورتها، فاردد عليها قولها عند مراجعتها.
فقال أبو الأسود: يا أمير المؤمنين، إنها كثيرة الصخب، دائمة الذرب (أي بذاءة اللسان) مهينة للأهل.. مؤذية للبعل، مسيئة إلى الجار، مظهرة للعار، إن رأت خيرًا كتمته، وإن رأت شرًا أذاعته..
فقالت: والله لولا مكان أمير المؤمنين، وحضور مَنْ حضره من المسلمين لترددت عليك بوادر كلامك بنوافذ أقرع كلّ سهامك، وأن كان لا يجمل بالمرأة الحرَّة أن تشتم بعلًا، ولا أن تظهر لأحد جهلًا.
فقال معاوية: عزمت عليك لما أجبته.