فقالت: أحسن الله بشارتك وأدام سلامتك، مثلك من بشَّر بخير وسرَّ جليسه..
قال: وقد سرّك ذلك.
قالت: نعم، والله.. لقد سرني قولك، فأنَّى بتصديق الفعل؟
قال معاوية: والله لوفاؤكم بعد موته أحب لي من حبكم له في حياته، اذكري حاجتك.
قالت: يا أمير المؤمنين.. إني آليت على نفسي ألا أسأل أميرًا أعَنْتُ عليه شيئًا أبدًا.. ومثلك أعطى من غير مسألة وجاد من غير طلب.
قال: صدقت.. فأقطعها ضيعة أغلّتها.
ولم تكن بكارة الهلالية أقل جرأة أمام معاوية من الزرقاء، والمرء يعجب من مواقف تلك النسوة، وإن كان يداخله الشك في أن قسمًا من هذه الأخبار، إنما وضع لأغراض سياسية، لقد دافعت بكارة الهلالية عن موقفها في صفين أمام معاوية، فانبرى لها سعيد بن العاص، وذكرها بشعرها في صفين..
فقالت لمعاوية: نبحتني كلابك يا أمير المؤمنين، واعتورتني، فقصر محجني (العصية) . وكثر عبجي وغشي بصري، وأنا والله قائلة ما قالوا لا أدفع ذلك بتكذيب، فامض لشأنك فلاخير في العيش بعد أمير المؤمنين (تريد عليًا) .
2-كلام الأعرابيات:
إن بلاغة المرأة العربية تتجاوز سيدات المجتمع البارزات إلى الأعربيات في الصحراء، وقد رضعن البلاغة مع حليب الأمهات، هذه أعرابية من (هوازن) تقف أمام عبد الرحمن بن أبي بكر في سنة جدب فتخاطبه قائلة:
[أصلحك الله، أقبلت من أرض شاسعة ترفعني رافعة، وتخفضني خافضة بملحات من البلاد، وملّمات من الدهور، بَرَيْن عظمي وأذهبن لحمي، وتركنني والهًا، وأنزلنني إلى الحضيض، وقد ضاق إلى البلد العريض، لا عشيرة تحميني ولا حميم يكنفني.. فسألت في إحياء العرب المرجوّ سيبه، المأمون غيبه، المكفّي سائله، الكريمة شمائله، فأُرشدت إليك وأنا امرأة من (هوازن) .
مات الوفد وغاب الرافد، ومثلك مَنْ سدّ الغلة، فاصنع إحدى ثلاث: إما أن تقيم أودي، أو تحسن عطائي، أو تردني إلى بلدي. قال:
بل أجمعهن لك وحبًا..] .