فهرس الكتاب

الصفحة 11053 من 23694

وأما بلاغة فاطمة رضي الله عنها بنت رسول الله (r) فتتجلى في تدفق عاطفتها وحرارة تعبيرها، فكلماتها مختارة، شديدة الوقع في القلوب، وعباراتها مسجوعة قصيرة، تعمد إلى التصوير المحسوس، وتسكب الفكرة في ثوب من البيان الملموس ولغتها مقدودة من عالم البادية الخشن القاسي، إلا أنها تجيد التأثير في القلوب، دخلت النساء عليها في مرضها الأخير، فسألنها: كيف أصبحت من علّتك يا بنت الرسول الله. فقالت من كلام طويل:"أصبحت والله عائفة لدنياكم، قالية لرجالكم، لفظتهم بعد أن عجمتهم، وشَنَأتهم بعد أن سبرتهم، فقبحًا لفلول الحدّ، وجَوْرِ القنا، وخطل الرأي، وبئسما قدّمت لهم أنفسهم أن سخَط الله عليهم، وفي العذاب هم خالدون، لا جَرَم لقد قلّدَتْهم رِبْقَتَها، وشلّت عليهم عارها، فَجَدْعًا وعقرًا وبُعدًا للقوم الظالمين، ويحهم أنّى زحزحوها عن رواسي الرسالة وقواعد النبوة، ومهبط الروح الأمين، الطَّبن بأمور الدنيا والدين، ألا ذلك هو الخسران المبين..".

إن عاطفتها القوية تطغى على تعبيرها، وهي تحسن نقل مشاعرها إلى القارئ من خلال الكلمات والصور فترقى به إلى أفق من الخيال، وتستولي على حسّه ومشاعره فلا يسعه إلا المشاركة الوجدانية.

زينب بنت علي، وأم كلثوم رضي الله عنهما:

هاتان السيدتان الكريمتان نشأتا في حجر البلاغة، وكلامهما يشبه إلى حد بعيد كلام السيدة فاطمة رضي الله عنها من حيث جزالته، وقوة أسره وشدة وقعه، من ذلك خطبة زينب أمام يزيد بن معاوية بعد مصرع أخيها الحسين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت