وفي إعرابه البياني لهذه الآية، شرح محي الدين الدرويش وجوه البلاغة الكامنة فيها، فقال: هذه الآية من القسم الذي يوهم ظاهره أن نظم الكلام جاء على غير طريق البلاغة، لكون لفظه غير مؤتلف بمعناه... وإذا تأمله حق التأمل، وجده جاريًا على ما توجبه البلاغة من الملاءمة. والجواب أنه لو قيل: أن لك ألا تجوع فيها ولا تظمأ، لوجب أن يقول: وأنك لا تعرى فيها ولا تضحى. والتضحي: البروز للشمس بغير سترة. فيصير معنى الكلام: وأنك لا تعرى فيها ولا تعرى. وهذا فساد ظاهر. لذلك وجب العدول عنه إلى لفظ القرآن.. فإن قيل: لمَ ذكر التضحي، وهو عُري في المعنى، وقد أغنى ذكر العري؟ قلت: في ذكر التضحي فائدة كبيرة وهي وصف الجنة بأنها لا شمس فيها. فإن التضحي عري مخصوص، مشروط بالبروز إلى الشمس وقت الضحى، الذي سمي تضحيًا، والانتقال من الأعم إلى الأخص بلاغة لاختصاص الأخص. ولا ننسى أن في الآية تجانسًا داخليًا بليغًا هو أن الجوع تجرد الباطن من الغذاء، والعري تجرد الظاهر من الغشاء وكذلك الظمأ: حر الباطن، والضحى الظهور للشمس، فجانس بين التجردين الأولين في الآية، والتجردين الثانيين (34) ..
هائتلاف المعنى مع الوزن، نعت قدامة هذا النوع بقوله:
"هو أن تكون المعاني مستوفاة، لم تُضطر بإقامة الوزن، إلى نقصها عن الواجب، ولا إلى الزيادة فيها عليه؛ وأن تكون المعاني أيضًا مواجهة للغرض، لم تمتنع عن ذلك، وتعدل عنه من أجل إقامة الوزن والطلب لصحته" (35) .
لم يورد قدامة شاهدًا على هذا التعريف -بل عمد -في فصل لاحق، إلى ذكر عيوب ائتلاف المعنى والوزن، كأن يأتي المعنى مقلوبًا، مراعاة للوزن، كقول الحطيئة (ت 30 ه/650م) (من الطويل) :
فلما خشيت الهون والعير مُمسك
أراد الحبل حافره، فانقلب المعنى. أو أن يأتي مبتورًا باطالته، فلا يُكتفى معه ببيت واحد، بل يحتاج إلى بيت ثان، كقول عروة الصعاليك (ت 596 أو 616م) ... ومن لك بالتدبر في الأمور
(من الوافر) :