ويبدو أن ابن رواحة في غزلياته.. تشبيبًا ونسيبًا.. أرق عاطفة وأرقى ديباجة، وأقرب إلى شعر الطبع منه إلى شعر الصنعة، ولكنه لا يفلت من الأثر الفقهي الذي طبع عليه الشاعر الفقيه، وهذا الأثر كثيرًا ما يكبح خيال الشاعر الجامح، ويكتم في ضلوعه صوت الشعر. من ذلك قوله: ... فزد من الهجر في عذابي
ان كان يحلو لديك قتلي
عسى يطيل الوقوف بيني ... وبينك الله في الحساب (25)
وابن رواحة كغيره من الشعراء يرى الحب طريقًا إلى السعادة في حال التواصل، و طريقًا إلى الشهادة في حال الحرمان من لذا ذات الاتصال. وربما كان ابن رواحة - وهو الشاعر الفقيه - متأثر بما حفظ لنا من أدب النبوة"من أحب فعف فمات، مات شهيدًا"وذلك حين يقول: ... أن الهوى سبب السعادة
لاموا عليك وما دروا
إن كان وصلٌ.. فالمنى ... أو كان هجر.. فالشهادة (26)
ولكن الشاعر بما طبع عليه من زهد سرعان ما ينصرف عن الحب، ويرى أن في الهجر والوصل إضاعة للدنيا والآخرة معًا، وفي ذلك الضلال المبين. أسمعه وهو يخاطب قلبه: ... ما أنت منه حامدٌ أمرا
يا قلب دع عنك الهوى قسرا
أضعت دنياك بهجرانه ... إن نلت وصلًا ضاعت الأخرى (27)
وقد يروق له الضلال، فينهج في شعره نهجًا نواسيًا حتى لتتحد غزليات النسوية بالغلامية.. من ذلك قوله: ... فالام يتعب في هواك العذّل
مالي على السلوان عنك معوّل
يزداد حبّك كم يوم جدة ... وكأن آخره بقلبي أول
أصبحت نارًا للمحب وجنّة ... خداك جمر غضًا وريقك سلسل
لك لين أغصان النقا لو لنت لي ... ولك اعتدال قوامه لو تعدل (28)
ويبقى هذا اللون من الغزل الغلامي دليلًا على صدق الصورة التي تنعكس في مرآة الشعر عن الحياة اليومية ونزعات أهل الأهواء ونزعاتهم الشيطانية، وإن بدا لونًا غير شهي على مائدة الأدب العربي. ... لدى الطيران أجنحة وخفق
*مذهبه الشعري: