لم يقتصر ابن رواحة في مدحه على نور الدين، وإنما قصد مصر سنة 555هـ واتصل بالخليفة العاضد ووزيره الصالح بن رزيك ومدحهما، فأحسنا إليه إحسانًا كثيرًا (11) .
وقد اهتبل ابن رواحة فرصة وجوده في مصر، فأقبل على العلم ينهل نهلًا من مصادره الثقات على أيدي طائفة من أئمة العصر في مصر والإسكندرية، فجمع في هذه الرحلة بين فضيلة العلم وفضيلة الأدب.
ولما حانت ساعة العودة إلى حماة ركب سفينة متجهة إلى ساحل بلاد الشام، ولكن السفينة تعرضت للأسر من قبل فرنج صقلية، وبقي ابن رواحة أسيرًا عندهم مدة غير معلومة، حتى"توصل بسحر الشعراء إلى حل عقدته ونشط عقلته"على حد تعبير العماد الأصبهاني (12) وعاد ابن رواحة إلى حماة واستقر فيها ثانية. غير أن كتب الأدب والتراجم لم تحفظ لنا شيئًا من أشعاره إبان تلك الفترة إلا النذر اليسير، ولعل ذلك يعود إلى أن شهرة ابن رواحة لم تذع إلا في عهد صلاح الدين الأيوبي.
*صحبته للناصر صلاح الدين واستشهاده:
ولما آلت بلاد الشام إلى الحكم الأيوبي بعد انقراض العهد الزنكي على يد صلاح الدين سنة 570هـ اجتذبت شخصية البطل الجديد شاعر حماة وأعجب ببسالته نبالته، وكان مرور صلاح الدين من حماة باعثًا له على الانطلاق والتغني بأمجاد الأيوبيين وانتصاراتهم على الصليبيين، فرحل ابن رواحة إلى مصر، ومَثَل بين يدي صلاح الدين الذي طرب لأماديحه كما طرب الشاعر لأعطياته، وكلاهما كان خليقًا أن يعطي ما استودع وما طُبع عليه. وقد بلغ إعجاب ابن رواحة بصاحبه مبلغًا كبيرًا دفعه إلى مرافقة الناصر صلاح الدين ومصاحبة الجند في معاركهم متمنيًا على الله الشهادة، ويؤكد ذلك ما قاله ابن رواحة عندما زار قبر النبي عليه السلام في رحلة الحج:
يا خاتم الرسل سلِ الله لي
ولا تردنّ يدي بعد ما ... مددتها مستشفعًا خائبه