وبعد، فقد عرض عليَّ فلان مواضع من كتاب كذا، وكتاب كذا، فمر فيها مرور الصبا، وجرى في ميدانها جري الجواد، فما حاد عن سنن الطريق ولا كبا"."
يبدو أن نص هذه الإجازة لم يكتمل، وقد لاحظ محقق (صبح الأعشى) ذلك، فذكر أن بقية هذه النسخة سقطت من قلم الناسخ كما ترى (135) .
والملاحظة الهامة في نص هذه الإجازة أن المجيز تعجب كل التعجب من هذا الطفل المجاز الذي لم يتجاوز العاشرة، أي أن عمره التربوي أعلى بكثير من عمره الزمني، ولذلك أجاب إجابة من كان في الأربعين، وبرهن في أجوبته بما يشهد له بصحة التفكير والذكاء الثاقب.
والملاحظة الثانية الأهم أن النظام التربوي السائد كان -في الواقع- صورة عن الحياة الثقافية الشاملة، فنحن نجد أن الأطفال كانوا يدرسون بالإضافة إلى كتاب الله -بعض المصادر العلمية الجليلة. فهذا الطفل المجاز أتقن في الحديث كتاب (الأربعين حديثًا) النووية، وفي الأصول كتاب (الورقات) لإمام الحرمين، وفي النحو كتاب (اللمحة البدرية) لأبي حيان.
الإجازات الشعرية:
ليس المقصود هنا ما سبق لنا إيراده من الإجازة في الشعر، أو الإجازة عند الشاعر، فقد وضحنا المعنى الاصطلاحي في مكانه من هذا البحث، وإنما المقصود استخدام النظم كأسلوب نستعيض به عن النثر في الاستجازة.
لاحظنا فيما مر معنا استخدام النثر في إجازات الحديث الخاصة، وفي الإجازات العلمية العامة، على اختلاف ضروبها، وقد استخدم في تحريرها الأسلوب المسجع، كما فعل القلقشندي في صبحه، واختار لنا نماذج مختلفة من الإجازات"ما وافق الصنعة وجرى على أسلوب البلاغة".
أما المستجيزون والمجيزون من الشعراء أو العلماء البارعين في النظم فكانوا يفضلون استخدام النظم لا أكثر في كتابة هذه الإجازة العلمية، ولابد في قصيدتي الاستجازة والإجازة من أن تكونا وفق ذات الوزن والروي كما في القصيدة التي أجاب بها جمال الدين بن نباتة أحد طلابه المستجيزين شعرًا فقال (136) :