هذا الضرب من الإجازة على غاية من الأهمية العلمية، فلقد ذكر القلقشندي أنه"جرت العادة أن بعض الطلبة إذا حفظ كتابًا في الفقه، أو أصول الفقه، أو النحو، أو غير ذلك من الفنون، يعرضه على مشايخ العصر، فيقطع الشيخ المعروض عليه ذلك الكتاب، ويفتح منه أبوابًا ومواضيع، يستقرئه إياها من أي مكان اتفق، فإن مضى فيها من غير توقف ولا تلعثم، استدل بحفظه تلك المواضع على حفظه جميع الكتاب، وكتب له بذلك كل من عرض عليه، في ورق مربع صغير، يأتي كل منهم بقدر ما عنده من الملكة في الإنشاء، وما يناسب ذلك المقام من براعة الاستهلال ونحوها، فمن عال، ومن هابط، وربما خفف بعضهم، فكتب: (وكذلك عرض عليّ فلان) أو (عرض عليَّ وكتبه فلان) ، أما رياسة وتأبيًا عن شغل فكره وكد نفسه فيما يكتبه وأما عجزًا عن مضاهاة من يكتب معه، وقد اخترت أن أضع في هذا المحل ما وافق الصيغة وجرى على أسلوب البلاغة" (130) .
اختار القلقشندي في هذا الضرب من الإجازات نص الإجازة التي كتبها الشيخ بدر الدين محمد بن أبي بكر المخزومي المالكي للنجل النبيل شهاب الدين أبي العباس، أحمد بن محمد العمري حين عرض عليه كتابين: أولهما (عمدة الأحكام) للحافظ عبد الغني، وثانيهما كتاب (شذور الذهب) للشيخ جمال الدين بن هشام في رمضان سنة سبع عشرة وثمانمئة. ومما جاء فيه بعد الحمدلة والتشهد والصلاة قوله:
"فقد عرض علي الجناب العالي... طائفة متفرقة من (عمدة الأحكام) للحافظ عبد الغني المقدسي، و (شذور الذهب) للعلامة جمال الدين بن هشام عرضًا قصرت دونه القرائح على طول جهدها.. فأحسن عند العرض في سردها، وزين (أبقاه الله) تلك الأماكن بطيب لحنه وإعراب لفظه، وآذن امتحانه فيها بأن جواهر الكتابين قد حصلت بمجموعها في خزانة حفظه. فحبذا هو من حافظ روى حديث فضله عاليًا، وتلا على الأسماع ما اقتضى تقديمه على الاقتران فلله دره مقدمًا وتاليًا."