كان نص الإجازة أطول من نص استدعاء المجيز، وقد لاحظنا أن الشيخ المجيز اختتمها بهذا القول الرقيق الذي يعبر عن هذا التواضع الذي كان بين العلماء، كما لاحظنا هذا الالتزام المتبادل بآداب التحدث والخطاب.
يضاف إلى ذلك كله أن الإجازات تمثل آفاق الثقافة التي يشترط في كل مثقف أن يتحلى بها، وهي صفحة مشرقة غرّاء في حضارتنا.
مثل آخر من الصفدي نفسه، وهو هنا فيه المجيز، لا المستجيز، كما رأينا في الإجازة السابقة، فقد كتب على استدعاء بعث به القاضي شهاب الدين أحمد الحنبلي، خطيب بيت الآلهة، وكاتب الدست بالشام، يستجيزه لنفسه.
وما جاء في الإجازة الجوابية التي بعث بها الصفدي إليه قوله بعد الحمدلة والتشهد والصلاة:"وبعد، فإن الرواية من محاسن الإسلام، وخصائص الفضلاء الذين تخفق لهم ذوائب الطروس، وتنتصب رماح الأقلام، ولم تزل رغبة السلف تتوفر عليه، وتشير أنامل إرشادهم للأنام بالحث إليه" (128) .
واستطرد المجيز في التحدث عن أوصاف صاحب الاستدعاء المستجيز، وهو خطيب وقاض، فقال:
"فأراد أن يشرّف قدري، ويعرف نكري فطلب الإجازة مني، وأنا أحق بالأخذ عنه، واستدعى ذلك مني، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه مني."
فنعم قد استخرت من الله تعالى، وأجزت له ما يجوز لي تسميته، وذكرت هنا شيئًا من مرويَّاتي وأشياخي، رحمهم الله، وذكرت مصنفاتي (129) :
إجازة قاصر عن كل شيء
لمن ملك الفضائل واقتناها ... وجاز مدى العلا سبقا وجازه""
الإجازة بالعراضة ... إن الخلائق -فاعلم - شرها البدع