والعيب في نظراته يرجع إلى منهجه التقريري العقلي في كل شيء، وهو أحدّ تفكيرًا منه إحساسًا أدبيًا، ينظر إلى الظواهر نظرة منطقية لا تاريخية، إذ ليس صحيحًا أن الشاعر هو الذي فكر في البدء بذكر الديار ليمهد للمدح، إنما هي تقاليد الشعر الجاهلي التي استمرت حية مسيطرة بعد أن دخل التكسب في الشعر، فأصبحت المدائح تتكون من جزءين منفصلين: القسم الفني فالقسم المدحي، ويبدو اتجاه ابن قتيبة التقريري في تقسيمه الشعر إلى أربعة أقسام أو أضرب:
1 ـ ضرب حسن لفظه وجاد معناه.
2 ـ ضرب حسن لفظه وحلا، فإذا فتشته لم تجد فائدة في المعنى.
3 ـ ضرب جاد معناه وقصر لفظه.
4 ـ ضرب جاد معناه ولفظه
وفي هذا التقسيم أحكام قيمية ذوقية بدليل قوله: حسن، جاد، حلا، وهي أحكام مطلقة تستند إلى حكمين تقريريين هما:
آ ـ أن اللفظ في خدمة المعنى، وأن المعنى الواحد يمكن أن يُعبر عنه بألفاظ مختلفة، يحلو بعضها ويقصر الآخر.
ب ـ أن لابد لكل بيت من الشعر من معنى، وفي هذا قصور واضح، ذلك أنه فصل بين اللفظ والمعنى وباعد بينهما مباعدة أتلفت ذوقه، ذلك أنه لم ينتبه للأسلوب الفني والعبارة الفنية الموحية المعبرة عن موقف إنساني، واللفظ عندئذٍ لا يستخدم للعبارة عن المعنى، بل يقصد منه خلق صور رائعة لا أداء فكرة... نقول: لم ينتبه لهذا بل راح ينقد الشعر في ألفاظه ومعانيه، وهو بذلك لا يفرق بين العبارة الفنية والعبارة الخام (العبارة العقلية) ، التي تؤدي المعنى والفكرة فقط.
إن نظرة ابن قتيبة ضيقة، ذلك أنه في بعض الأبيات لا يلتفت إلا إلى المعنى الأخلاقي و الأفكار، ناسيًا أن أجود الشعر ما صور تصويرًا فنيًا، أو ما كان مجرد رمز لحالة نفسية، رمز بالغ قوي الإيحاء، لأنه عميق الصدى على سذاجته... إن ابن قتيبة لم يكن يملك حسًا أدبيًا صادقًا، وإنه كان يفكر أكثر مما يتذوق وإن نقده الشعر لا غناء فيه.