فهرس الكتاب

الصفحة 10865 من 23694

ثم يقسم ابن قتيبة الشعر إلى متكلف ومطبوع، ويذكر أن هناك دواعي تحث البطيء وتدفع المتكلف كما أن هناك تارات يبعد فيها قريبه، ويصعب فيها ريّضه... ولكن ليس صحيحًا أن الشعر إذا توافرت دواعيه أو ملابساته جاء مطبوعًا... فليس هناك تلازم حتمي بين الأمرين. إن حقيقة الخلق الأدبي غير ذلك، والثابت أن الشراب والطرب والغضب والطمع وكافة المشاعر والانفعالات لا تخلق شعرًا ساعة احتدامها، لأن الانفعال القوي يعقد اللسان ويشل التفكير، ويشغلنا عما عداه، فالشاعر لا يقول الشعر إلا بعد أن يصحو من الشراب، أو يهدأ من الغضب، إذ تصفو عندئذ قريحته ويستطيع التفكير وقد استقرت انفعالاته، وإذًا فالشاعر لا يقول إلا عن روية.

إن الشعر صياغة لفظية، وليس أشق من إخضاع الإحساس والفكرة إلى اللفظ، كما يقول الدكتور جورج ديهاميل. والشعر أيضًا إحساسات وصور وخواطر تصاغ ألفاظًا، إنه صناعة ككل الصناعات، ولابد في كل صناعة من مران وجهد، وإنه طبع ودوافع وإرادة وصناعة وجهد... كل هذا لم يفطن له ابن قتيبة الذي خلط بين التكلف والتثقيف والتنقيح وطول التفتيش وإعادة النظر كزهير والحطيئة اللذين عدهما متكلفين وخلط أيضًا بين الطبع والارتجال، حتى لكأنه يظن أن الشعر المطبوع هو الشعر المرتجل.

لابد من بذل الجهد لخلق الصورة الشعرية، وهذا ماكان يفعله زهير والحطيئة، أو ما يفعله أو يجب أن يفعله كل شاعر مجيد، فالفن لا يحيا بغير الجهد والقيود والصناعة، وليس صحيحًا أن الطبع يكفي دون ذلك، ولا أن الشعر الجيد ارتجال، وإنما الصحيح أن الشعراء يختلفون بتجويد صناعتهم قسوة ولينًا، ويجدون في هذا الجهد مشقة تختلف بحسب طبائعهم عسرًا أو يسرًا، وهم في هذا لا يخرجون عن الطبع إلى التكلف، وما نظن أن أحدًا استطاع أن يصف شعر زهير بالتكلف، وإنما وصفوه بالمثقف والفرق بينهما كبير جدًا..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت