فهرس الكتاب

الصفحة 10845 من 23694

وهذا التلوين الفني الذي يطفح بأخيلة مثيرة ذات معطيات إنسانية يماثل ما توحيه مشاهد الحيوان الأخرى في القصيدة الجاهلية.

فمشاهد الطبيعة الحية كالحمر (16) ، الوحشية والبقر الوحشي وغيرها أخلصت فنها لمعطيات عصرها وفق أسلوب آسر من جزالة العبارة، وشيوع القوالب البدوية التي ظلت الشاهد على اختلاف أنواع الطبيعة الحية، وقدرة الشعراء على انتزاع الصور منها. فحسن الصنيع يفضح قبح التصنيع مهما تجنح المشاهد إلى التعقيد اللفظي أو التضمين (17) .

وهذا يثير في مشهد الحيوان مسألة من نوع آخر، ويضعه في صميم مشكلة ملخصها أن البادية خلعت ثوب الخشونة والغرابة على أغلب مشاهد الحيوان، فألفاظها (18) غريبة الوقع على الأسماع، وغامضة غير مُحصَّلة، وهي تكره المرء على الاستعانة أبدًا بالمعجمات.

وإذا كان المرء يحس بطغيان ذلك في مشاهد دون أخرى كمشاهد الناقة مثلًا فإنه يرى في البعد الزماني، وقلة الدراية بما كان يهتم به الجاهليون سببًا لما وقع في هذه المسألة. فالجاهليون عاينوا الحيوان الأليف والوحشي، وتفهموا ما أظهرته حياة البراري وضواريها ونقلوا ذلك بصدق وأمانة، فكانوا أكثر إخلاصًا لواقعهم وحياتهم ممن يتغافل عن واقعه. وغرابة الألفاظ ما كانت (19) ، لتستغلق على ذوي الأفهام لأن مشهد الحيوان يفيد كثيرًا من المبادئ الفنية التي قامت عليها القصيدة الجاهلية عامة، وتركزت فيه خاصة. ولعل أشهر تلك المبادئ مبدأ العناية بالجزئيات، واستعمال المثل والتكرار وتداخل الأنواع الفنية. وقد اتكأ مشهد الحيوان على ذلك مستفيدًا من صفة الاستطراد والإيغال في المقارنات.

وبهذا كله اتخذت مشاهد الحيوان سبيلها إلى كشف معطياتها مهما يكن غموض الألفاظ في بعضها، وكان ذلك قادرًا على الوصول إلى ما استكنَّه الشاعر من حقائق ومعانٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت