وهذا المشهد واحد من جملة (13) مشاهد تنبئ بالمعطيات الاجتماعية و الفكرية وتغدو شكلًا نابضًا بالصلابة والوقار فوق ما تضطلع به من أصول فنية. فالخيل أشبه بمثال جمالي وفني، ولهذا لم يتوان طفيل لحظة واحدة في اختيار ما أدى الى التطابق الذاتي بين رغباته وواقعه، وما تعارف المجتمع عليه. فالموقف النفسي والفكري عند طفيل حدد صورة المنفعة من الخيل في الوقت الذي ظهرت فيه صورة للكرامة وهي تحمي أهلها. وهذا يجعل الخيل صورة للمتعة والزينة (14) فوق ما تحمله من شدة المبالغة في الحفاظ عليها لأنها صورة للعزة. فالجاهلي فضل فرسه على نفسه وعياله لأنه حصنه إذا عَزَّت الحصون، وقرينه إذا جدت الخيل ودلفت إلى المعارك، ولا نظير له بين أترابه. وفي هذا الباب تكفي إشارة واحدة إلى مشهد الخيل في شعر حاجب الأسدي، لينهض دليلًا على ما تقدم. فزوج حاجب تدفعه لبيع فرسه ثادق وتغريه بارتفاع أثمان الخيل، ولكن فرسه وحده قادر على إغاثتهم من ضائقة السنوات العجاف، ولذلك يحرص حاجب على إنكار ما يسمع ويصر على التمسك بفرسه فيخاطبها قائلًا (15) : ... ليُشرى فقد جدَّ عصيانها
باتت تلوم على ثادق
ألاَّ إن نجواك في ثادق ... سواءٌ عليَّ وإعلانها
وقالت: أغثنا به إنني ... أرى الخيل قد ثاب أثمانها
فقلت: ألم تعلمي أنه ... كريم المكبَّةِ مِبدانها
تراه على الخيل ذا جرأة ... إذا ما تقطع أقرانها
وقلت: ألم تعلمي أنه ... جميل الطُّلالةِ حُسانها
فهذا الحوار الطريف حول سياسة المال بين الأزواج، وعظم المأساة التي تحملها قسوة السنوات لا يتضح إلا من خلال مشهد الخيل. فحاجب صم أذنيه عن رغبة زوجه على شدة حاجتها للطعام، وطفق يعلل لها تمسكه بثادق، فهو كريم في المعارك؛ جميل الطلعة يعجب الناظرين، وهو يفوق عتاق الخيل. فالحاجب الأسدي يجيبها إجابة الحكيم حين تغافلت عن قيمته عنده، وعما يمثله له. وليس هناك أنكى من أن يتخلى الجاهلي عن فرسه مهما تعوزه الحاجة وتشتد به الفاقة.