ولا تستطيع كلمات قليلة أن تحيط بمشاهد الحيوان كلها على تعدد الإبداع فيها، فمشهد الذباب عند عنترة يظل فريدًا في بابه حتى صار من التشبيهات العقم (9) ، وراحلة الشعراء التي كانت صورة من واقعهم مثَّلت وحدة فنية واتساقًا لموضوعاتهم التي عالجوها في قصائدهم (10) . ولم يكن مشهد الخيل المشبع بالنضج الفني والفكري بأقل من ذلك، وهو ما نخصه بالذكر في الصفحات القادمة. ففي هذا المشهد كان كثير من الشعراء معلمة في الحذو حينما تحدثوا عن الخيل فامرؤ القيس الذي حذا حذو أستاذه أبي دؤاد وفاقه يقف على رأس من تعقب صفات الخيل (11) وكأنه نسيج وحده. ولعل قيم الفروسية التي أرساها هو وأضرابه تبقى على مر الزمن دلالة على حب العرب للخيل وفخرهم باقتنائها حتى غدت لديهم مظهر عزة وفخار، بل هي مظهر مروءة وأصالة. ولهذا اشتبكت صورتها بملامح إنسانية راقية مثلما تداخلت هيئتها بصورة الخيمة العربية التي يحتمي بها العربي، ومن أمثلة ذلك قول طفيل الغنوي (12) : ... بأرض فضاء بابه لم يحجَّب
وبيت تهب الريح في حجراته
سماوته أسمال برد محبر ... وصهوته من أتْحَميٍّ معصب
وأطنابه أرسان جرد كأنها ... صدور القنا من بادئٍ ومعقب