فهرس الكتاب

الصفحة 10842 من 23694

وهذا يؤكد أن مشهد الحيوان صدى للواقع وحالة شعورية ونفسية، وصورة من مرحلة تاريخية لا يمكن إغفال معطياته. ومن هنا لم يكن مشهد الحيوان مسخرًا لهدف إنساني فحسب، وإنما كان من الأسباب التي تؤلف بين أجزاء القصيدة منهجًا وفكرًا. فأي مشهد من مشاهد الحيوان كان مفعمًا بالأشكال الفنية التي أرست قيمًا لا تحصى، وقد يعود هذا إلى تشابه المصادر في حياة البداوة. وكانت هذه الأشكال تمثل نضجًا فكريًا مثلما تبرز تقدمًا فنيًا تسجل لأبناء العصر الجاهلي وهم ينتقلون من الملموس إلى المجرد غالبًا، ولاسيما حين جعلوا صورة الحيوان وسيلتهم إلى ذلك. فتداخلت العزة والإباء والشجاعة والجرأة والغدر والخيانة والروغان والختل.... الخ، بصور من حيوانات باديتهم. فغضبة الجاهلي لا تكون إلا بعد صبر وتدبر، وهي ليست منفصلة عما يراه في الطبيعة. ولهذا اتخذت صورة الليث مثلًا للقدرة والسطوة والشجاعة (4) ، لأنه يأنف من التبعية للآخرين، ويترفع عن مهاجمة فريسته غدرًا، على حين أنه كره طباع الذئب، وانتقل هذا المفهوم إلى صورة من يشبهه في سلوكه، فالذئب اقترن بالظلم والغدر والفجور (5) ، ولم يمنعه حذره ولا كنيته الحسنة (أبو جعدة) (6) ، من ذلك، بينما بقي الثعلب مثلًا للروغان والختل (7) .

وأيًَّا ماتكن المشاهد فهي تدل دلالة قاطعة على الاتصال الفريد للجاهلي بواقعه ومعطياته، وبهذا أخلصت لزمانها وكانت قادرة على كشف أبعاده، فصورة القطا مثلًا ارتبطت بالفلاة أو المفاوز ولهذا غدا القطا مرشدًا ودليلًا إلى موارد الماء فيها، ورمزًا للتفاؤل حين تنقطع السبل بمن ضل في القفار بعد أن ساورته المخاوف، وأيقن بالتهلكة. وبهذا يمثل القطا روح التمسك بالحياة في قلب البادية الرعناء، ومن أمثلة ذلك قول النابغة الذبياني (8) :

تدعو القطا بقصير الخطم ليس له

حذَّاء مدبرة سكَّاء مقبلة ... للماء في النحر منها نوطة عجب

تدعو القطا وبه تدعى إذا انتسبت ... يا صدقها حين تلقاها فتنتسب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت