أما معاني النار والجحيم، فإن الشعراء وإن لم يتحدثوا عنها حديثًا مباشرًا ـ في حدود علمنا ـ فإنهم حين تحدثوا عن الوضع الحالك الذي كانت تعيشه بلادهم الجزائر خاصة، استخدموا معاني وألفاظًا أخذوها من السور القرآنية (15) ، التي صور فيها المولى تعالى ما ينتظر أهل النار من عذاب أليم. فمفدي زكرياء يميط اللثام عما كان يمارسه المستعمر من أشكال الظلم والقهر والاضطهاد على الشعب الضعيف فيقول:
وطعام طهاه للشعب زقّـ
ويعتمد محمد اللقاني السائح على ألفاظ ومعاني قريبة من تلك التي نراها في بيت مفدي، لتصوير شدة أحوال الجزائريين ودقتها، وقساوة حياتهم ومرارتها بسبب تسلط المستعمر وجبروته، فيقول: ... وعيشنا صار زقومًا وغسلينا
حياتنا قط لا يرضى بها أحد
ويحوّم الطّيب العقبي حول نفس المعاني والألفاظ، وهو يعبر عن ضجر الشعب وضيقه، وعن آلامه المادية والمعنوية الشديدة في هذه الحقبة المظلمة من تاريخ الجزائر في العصر الحديث فيقول: ... لنيل ما زرع الآباء تلقينا
غاض العدى مجدنا قِدمًا وقد عملوا
حتى سقونا حميمًا لا مساغ له ... وجرَّعوا الكُلَّ زقومًا وغسلينا
فأنت إذا عدت إلى هذه النماذج وأخرى غيرها في نفس الغرض، لاحظت العلاقة الحميمة بين معجم الشعراء اللفظي والمعنوي وبين المعجم القرآني في المواضع التي أبان فيها رب العزة سوء منقلب أهل النار، قال تعالى: ?إن شجرة الزقوم طعام الأثيم، كالمُهل يَغْلِي في البطون كغلي الحميم?. (الدخان: 43 ـ 46) ، وقال أيضًا: ?فليس له اليوم هاهنا حميم، ولا طعامٌ إلا من غِسلين?. (الحاقة 35 ـ 36) . وقال في موضع ثالث: ?إن لدينا أنكالًا وجحيمًا، وطعامًا ذا غُصّة وعذابًا أليما?. (المزمل: 13) . ... بالمنتهى في مستواه الأرفع
فالكلمات: (زقّوم) ، (غُصة) ، (طعام) ، (غِسلين) ، الواردة في هذه الآيات استخدمها الشعراء كما هو واضح من الأبيات التي عرضناها، بنفس الدلالات التي جاءت في القرآن الكريم.