فهرس الكتاب

الصفحة 10801 من 23694

ومجمل القول، حين ينضج العقل وتؤتي النهضة ثمارها، فإن التقدم العلمي يتجلى على كل صعيد في رحاب المعارف الإنسانية المختلفة، وهكذا كان الشأن في الأندلس منذ القرن الرابع الهجري ـ العاشر الميلادي، عندما أخذت العلوم والآداب، على اختلافها، تغتني وتتنامى على نحو يكاد يكون متوازيًا. لقد شهدت البلاد الأندلسية تقدم العلوم الرياضية والفلكية، كما عرفت في الوقت نفسه تطور العلوم الزراعية والطبية، ونضج المعارف الفقهية والفلسفية. وكان من ذلك كله، ـ وفي موازاته ازدهار الفنون والآداب والشعر والموسيقى، والموشحات والأزجال ـ تألق حضاري أشع من الأندلس، كما أشع من الشرق فأضاء العالم بسناه قرونًا مديدة من الزمن، نعمت خلالها الإنسانية عبر مسيرتها المتعاظمة بما أكد حقيقتها وأغنى وجودها.

إن فضل عرب الأندلس في الحقبة العربية الإسلامية لا يقتصر على ما قدموه إلى أوربة وسائر العالم من إبداعاتهم الأدبية وإنجازاتهم العلمية في تلك الربوع، بل يتعدى ذلك إلى أنهم قدموا إلى أوربة حصيلة ماكان يؤول إليهم من علوم عرب المشرق وفنونهم وآدابهم وسائر معارفهم، إذ الحضارة العربية الإسلامية بشطريها كل متلاحم متكامل. على أن تأثر أوربة بمعطيات الأندلسيين كان أظهر، تبعًا للاحتكاك المباشر الذي حدث فوق ربوع الغرب الأوربي نفسه، وتجلى في التزاوج السكاني والتفاعل العلمي والتمازج الثقافي. وفي رأي كراتشكوفسكي أن التفاعل الحضاري في شبه الجزيرة الإيبرية كان متواصلًا، وهو مثال ساطع على عدم ثبات الحدود الفاصلة بين الشرق والغرب على الصعيد الثقافي العالمي.

ولعل من أبرز ما استمده الأوربيون من حضارة العرب على صعيد منهج البحث والدرس هو ما امتاز به العرب من تغليب عنصر المشاهدة على النظر والخبرة على الخبر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت