لقد تمت ترجمة القسم الأخير من كتاب الزهراوي الشهير (التصريف لمن عجز عن التأليف) ، أي القسم الجراحي، إلى اللغة اللاتينية في طليطلة في القرن الثالث عشر تحت اسم الجراحة Chirurgia بفضل (جيرا ردو الكريموني، أو القرموني) ، ومن اللاتينية نقله (شائين توب) إلى العبرية. ثم انتقل هذا الجزء المترجم من الزهراوي إلى صقلية بفضل روجار الملك أي (روجيه الباليرمي) ثم آل إلى فرنسا بفضل الجراح (شولياك) ، ثم إلى أوكسفورد سنة 1778. كما أعيدت ترجمات أقسام أخرى من الكتاب على مراحل، إلى العبرية واللاتينية. وفي عام 1519 طبع منه جزء بعنوان"كتاب النظر والعمل" (46) ، فكان أهم وأذيع كتاب في تاريخ الطب كله (47) . وبعدئذٍ طبع في مدينة غوتنبرغ سنة 1815 (48) . وبعد ذلك طبع القسم الجراحي من كتاب الزهراوي بنصه العربي في حيدر آباد بالهند سنة 1908، وأخيرًا صدر النص العربي مرة أخرى بطبعة أنيقة في جامعة كاليفورنيا سنة 1973 مع ترجمة إنكليزية بفضل سبينك لويس Spink Lewis (49) ... كل ذلك رفع الزهراوي في أعين الشرق والغرب إلى طبقة أبقراط وجالينوس (50) .
ثم بلغ الطب العربي أوجه في الأندلس خلال القرن السادس الهجري ـ الثاني عشر الميلادي، أي في ذلك العصر الذي جمع الفلاسفة فيه بين الفلسفة والطب كأبي الصلت أمية الداني وابن باجه، وكذلك أبو الوليد ابن رشد صاحب كتاب"الكليات"، وقد جعله في مقدمة وسبعة أجزاء، تناول فيه أعضاء الجسد والتشريح، وأحوال الصحة والمرض، ثم الطب الوقائي والعلاجي (51) .
"بيد أن زعامة الطب في ذلك العصر عقدت بلواء بني زهر، تلك الأسرة العالمة الشهيرة التي أنجبت أبا مروان عبد الملك بن زهر وابنه أبا العلاء (525 هـ-1131م) ، ثم أعظمهم جميعًا وهو أبو مروان عبد الملك بن أبي العلاء بن زهر (ـ 557هـ-1162م) ، من أهل إشبيلية (52) ".