وبرغم إقرار مفكري العرب في القرون الوسطى بقصور العقل البشري عن إدراك المعرفة الكلية، وأنه ليس بوسع الإنسان أن يجيب عن كل سؤال ويحل كل معضلة، فإنهم كانوا يدركون في الوقت نفسه أن للحقيقة الموضوعية وجودًا ثابتًا، وأنه بوسع الإنسان أن يقترب إلى أبعد مدى من بؤرة الحقيقة (21) ، ولاسيما في العلوم البحتة من فلك وحساب وفلاحة... ويجسد هذا المنحى العالم الفلكي الرياضي أبو علي الحسن المراكشي من رجال القرن السابع الهجري، الثالث عشر الميلادي، وهو صاحب كتاب (جامع المبادئ والغايات) الذي وصفه مؤرخ العلوم جورج سارتون بقوله:"إن هذا المصنف أهم مساهمة للجغرافيا الرياضية، ليس في ديار الإسلام، بل في خارجها، وفي كل مكان" (22) ، هذا العالم الجليل فطن إلى شأن ينطوي على أهمية بالغة في مضمار البحث العلمي، إذ قال في مقدمة كتابه"جامع المبادئ والغايات بصدد الرصد الفلكي (23) :"
"إن الطرق التي نذكرها صحيحة في نفس الأمر. وما يُتوصل بها إليه من المقادير الجزئية قد يوجد فيها تقريب. وأسباب هذا التقريب كثيرة، منها ضعف حواسنا عن إدراك الأجزاء الدقيقة، وعدم ثبات الأجرام السماوية، ودوام تغير آلات الرصد، وأشباه ذلك".
وفحوى هذا القول هو نسبية المعرفة الإنسانية ومحدوديتها وأنها لا تتسم دومًا بالحتمية. وهذا منطلق ركين في العلم والمعرفة ومنطلق أساسي لمن يطمح إلى بلوغ حقائق الكون والحياة جنح إليه الجاحظ من قبل ثم ديكارت من بعد في صدد المعرفة اليقينية والبحث التجريبي.