وقد أورد المستشرق بالنثيا في هذا الصدد خبرًا من مخطوط يضم مجموعة من القوانين الكنسية التي تمت ترجمتها من اللغة اللاتينية إلى اللغة العربية بقلم قس إسباني اسمه (بنجينسيوس) كان يتقن لسان الضاد إتقانًا تامًا، وقد توج الكتاب المترجم بإهداء شعري موجه إلى أسقف يدعى عبد الملك. وهذا الشعر العربي الذي نظمه القس (بنجينسيوس) لا يفترق في شيء عما ينظمه المسلمون في مثل ذلك المقام شكلًا وموضوعًا، ومن ذلك قوله (9) :
كتاب لعبد المالك الأسقف الندب
همام ذكي الحدس واحد عصره ... عليم كريم ذو حلوم وذو لب
يجدد فضل الله فينا بفضله ... وعم به كلَّ الأنام هدى الرب
والكثير من الكتب اللاتينية التي كتبها المستعربون تحمل هوامشها شروحًا وتعليقات عربية. ... ALAMBIC ... الزرنيخ ... ARSENIC
*حركة الترجمة:
ونظرًا إلى أن العربية كانت في تلك الحقبة هي لغة العلم و الحضارة في القرون الوسطى، وأنها في موقعها عهدئذٍ كانت تمثل التراث الأغنى والثقافة الأرقى، فقد غدا من الطبيعي أن تكون حركة الترجمة متجهة إليها، على حين كانت حركة الترجمة المعاكسة، أي من اللاتينية إلى العربية دون هذا المدى. يضاف إلى ذلك أن الفرنجة أو اللاتين الذين تعلموا العربية باعتبارها لغة الفاتحين كانوا يشكلون الكثرة البالغة، أما المسلمون فكان إقبالهم أقل من أولئك على تعلّم اللاتينية بطبيعة الحال.
ومن أشهر المتأثرين بالعلوم العربية وأقدمهم الراهب جيلبرت الذي اعتلى فيما بعد عرش البابوية في روما سنة 999 باسم سلفستر الثاني، وقد وفد إلى قرطبة في أيام الخليفة عبد الرحمن الناصر للتزود بالعلم.