وقد أفرز الواقع الاجتماعي والسياسي في الأندلس خلال حقبة تالية من الوجود العربي فئات أخرى، في طليعتها جماعة المدجنين، أو المستعجمين ونعني المسلمين الذين وجدوا أنفسهم عائشين في ديار المسيحيين فتم تدجينهم وصبغهم بالصبغة الإسبانية، وإن ظلوا محافظين على دينهم الإسلامي وثقافتهم العربية، وهؤلاء المدجنون ـ تبعًا لظروف حياتهم، واختلاطهم بالإسبان ـ ساهموا مساهمة كبيرة في نقل التراث العربي الإسلامي وكثير من التقاليد والمثل والأفكار والقيم إلى مواطنيهم.
وفي مقابل هؤلاء المدجنين كانت هنالك فئة ثالثة تضم المسيحيين الذين اعتنقوا الإسلام، وإلى جانبهم المسلمون الذين اعتنقوا المسيحية أو الذين ارتدوا عن الإسلام.
وكانت حصيلة ذلك كله هذا الاحتكاك الفريد والتلاقي المتميز بين ديانتين وعقيدتين، وأيضًا بين ثقافتين وحضارتين، وذلك على نحو ليس له مثيل بين الأمم.
*المثاقفة العربية الإسبانية:
ولعل أبرز ما تمخضت عنه تلك المثاقفة الفعالة بين العرب والفرنجة في بلاد الأندلس هو ولادة حركة ترجمة ناشطة كان عمادها في الغالب فئات من المستعربين الفرنجة Mozarabes التي برز منها أناس كثيرون وجمعوا بين لغتهم الأصلية واللغة العربية الوافدة. وقد أتقن بعضهم العربية ونبغوا في أدبها على نحو يذكرنا بمن كان من هذا القبيل أ يضًا في المشرق مثل ابن المقفع وسيبويه وأبي عبيدة.... الذين كانوا فرسًا ثم تعرّبوا ونبغوا في العربية. وابن القوطية (367 هـ-977م) واحد من أئمة العلم والأدب والفقه والتاريخ، وهو كما يدل عليه لقبه متحدر من أم إسبانية من القوط، ومثله حفص بن البرّة الذي أسلم وتعرّب وصار قاضيًا لأمثاله من المسلمين في طليطلة من ذوي الأصول الفرنجية (7) .