فهرس الكتاب

الصفحة 10782 من 23694

وكانت بداية التخالط السكاني والتمازج الثقافي جنوح الكثيرين من السكان إلى اعتناق العقيدة الإسلامية، إذ دخلت في هذا الدين أفواج غفيرة من العبيد والأسرى الذين استعبدهم القوط والجرمان من قبل، فتحولوا إلى أحرار بحكم اعتناقهم الإسلام. يضاف إلى هؤلاء وأولئك كثيرون من المضطهدين الذين استردوا اثر الفتح أملاكهم وعقاراتهم المصادرة واستعادوا مكانتهم. وكان من نتائج هذا الواقع الجديد تحسن الزراعة ونشاط التجارة وازدهار الاقتصاد. وكان في جملة المستفيدين من الفتح اليهود، إذ تمتعوا بالحماية ونعموا بالرعاية وأعيدت إليهم حقوقهم، وفسح لهم المجال لتولي المناصب الرفيعة في الدولة الإسلامية (5) .

ومما أورده المستشرق الإسباني غارسيا غوميس (6) أن قرطبة كانت بلدًا نصف عربي، يتحدث أهله العربية وعجمية أهل الأندلس، ويختلط فيه رنين الأجراس بأذان المؤذنين. ونجم عن تخالط الأجناس وتجاور الديانات مناخ إنساني سَمْح جميل، وجو حضاري متألق رفيع.

وقد نجم عن زواج العرب بالإسبانيات عنصر مسلم جديد عرف باسم المولدين الذين أصبحوا بمرور الزمن يؤلفون معظم سكان الأندلس. وكان لابد لهؤلاء أن يكتسبوا كثيرًا من عناصر الثقافة الإسبانية من لغة وعادات وسلوك... وربما كان أخطر مثل لهذا التأثر هو ازدواج اللغة، حيث انتشرت لغة الرومانس إلى جانب لغة العرب، وهذا يكشف عن مدى قوة ذلك الاحتكاك الثقافي بين الحضارة العربية الوافدة والحضارة الإسبانية السالفة.

ثم ظهرت في تلك الربوع، تبعًا لذلك الاحتكاك المباشر والمتنوع، فئات أخرى غدا لها دور هام في حياة المجتمع الأندلسي وثقافته، كان أبرزها جماعة المستعربين Mozarabes وهي العناصر الأصلية التي بقيت على دين المسيح، إلا أنها تعرّبت في اللغة والعادات والسلوك والتقاليد، وهذا ما أهّلها لأداء دور ناشط في الحياة العامة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت