فالتراث العربي هو جزء من التراث الإنساني، لأنه أدى ولما يزل دورًا أساسيًا وهامًا في إغناء الحضارة الإنسانية. ومن يتصفح كتب تراثنا يجد أمامه ينابيع غزيرة من المعارف، كانت تعتبر مصدرًا من المصادر الأساسية للعلوم البحتة، كالجبر والهندسة والفيزياء والكيمياء، والعلوم التطبيقية كالطب والصيدلة والزراعة (الفلاحة) وغيرها.
لقد اشتهر خلال العصر الأموي بعض الأطباء السوريين منهم ابن أثال طبيب معاوية، وأبو الحكم الدمشقي وابنه، وفي عهد مروان بن الحكم ظهر ماسرجويه البصري، كما اشتهر تياذوق طبيب الحجاج. وفي مدينة دمشق أنشأ أول بيمارستان في البلاد الإسلامية، أمر ببنائه الوليد بن عبد الملك (88هـ/ 707م) . وبنى إلى جانبه دورًا لإيواء العجزة والمقعدين والمجذمين والعميان.
إلا أن ممارسة الطب والصيدلة لم تتقدم بصورة محسوسة إلا زمن الخليفة أبي جعفر المنصور. فقد وفد إلى بغداد عدد كبير من الأطباء والصيادلة الهنود والفرس والسريان، وكان من أشهرهم أفراد عائلة بختيشوع، الذين كانوا أطباء بيمارستان جنديسابور. ويعود إليهم الفضل في تطور فن المداواة، وتشجيع تجار المخطوطات على جلبها من بلاد الروم، وترجمتها من اللغة اليونانية إلى اللغتين السريانية والعربية. وفي عهد الرشيد تأسس أول بيمارستان في بغداد كما أنشأت دار الحكمة، والتي تحولت في زمن حنين بن إسحاق العبادي إلى شبه مؤسسة لجمع المخطوطات وترجمتها ونسخها ونشرها.