مما سبق يبدو لنا في أقوال"ابن سينا"خروجًا عن النظم التعليمية التقليدية والتربية التي كانت تتبعها"الكتاتيب"وأشباهها التي كان هدفها القيام بإعداد المنهج الدراسي، أو اختياره وإعداد مواده، والقيام بتدريسها للتلاميذ حسب نظريتهم التربوية (الترويض العقلي) التي اعتقدت بأن العقل الإنساني يتكون من ملكات مستقلة الواحدة عن الأخرى، وإن لكل ملكة من هذه الملكات مادة تصلح لشحذها، فالعقل الإنساني يروض كما يروض الجسم، فكما أن عضلات الجسم الإنساني تشتد وتقوى كلما تعرضت لحركات رياضية أكثر، فإن الملكات العقلية تشتد وتقوى كلما أكثرنا من تدريس المواد الصعبة، فالتعليم التقليدي كان هو المسؤول عن تربية وتعليم الطفل في مراحل التعليم المختلفة عن طريق الاستذكار والحفظ بداية من الكتاتيب التي -كما أسلفنا- مكان تعليم الأطفال إلى حلقات الدرس التي كانت تعقد في المساجد والتي كان الأستاذ الشيخ يتناول مسائل العلم والدين بالشرح والتفصيل والنقد أحيانًا، وكان طلابه المتحلقون حوله يسألونه ويستفتونه في أمهات المسائل وكبار المعضلات التي تعرض لهم في مطالعاتهم وأبحاثهم وقد ساعد ذلك فيما بعد إلى ظهور المدارس العليا التي كانت أشبه بالكليات الجامعية والمعاهد العليا والتي ظهرت منذ القرن الخامس الهجري الحادي عشر الميلادي والتي كانت بدايتها"المدارس النظامية"التي قام بإنشائها"نظام الملك"، وزير"ملك شاه"السلطان السلجوقي الذي اقتدى كثير من سلاطين وأمراء ذلك العصر به في إنشاء أمثال تلك المدارس في سائر أرجاء العالمين العربي والإسلامي تلك المدارس التي غدت أشبه بالكليات الجامعية والمعاهد العليا والتي قام بالتدريس في رحابها العديد من العلماء والمربين أمثال"ابن سينا"و"الغزالي"و"ابن خلدون"و"القابسي"وأمثالهم ممن استطاعوا بنظرياتهم التربوية وأساليبهم التعليمية أن ينهضوا بتلك المدارس نهضة علمية وتعليمية ساعدت في العصور